Al Sabîl

2025 | 20

الولاية والتوطّن الجبلي
دراسة حول تشكّل المجالات السكنيّة في ضوء نماذج ولائيّة محلّية بجبل عرباط (الجنوب الغربي التونسي)

مسطاري بوكثير

الملخص

يتناول هذا المقال دور الظاهرة الولائيّة في ديناميّات التوطين وإعادة تشكيل المجال في المواقع الجبليّة، وذلك من خلال تحليل نماذج محليَة، ارتبطت بالأولياء وبمقاماتهم وخلواتهم، تتركّز في جبل عرباط بالجنوب الغربي التونسي. وينطلق البحث من مقاربة تاريخيّة–أنثروبولوجيّة تجمع بين المصادر التاريخيّة والرواية الشفويّة والوثائق الأرشيفيّة والمعطيات الميدانيّة، قصد تفكيك العلاقة المعقّدة بين الولاية والانتماء القبلي والمجال والعمران.

فقد لعب الوليّ دور الفاعل الأساسي الذي أسهم في تثبيت الجماعات البشريّة في مجالات جبليّة صعبة الاستقرار، ومنحها شرعيّة روحيّة واجتماعيّة مكّنتها من الاندماج أو إعادة تنظيم علاقتها بالمجال وبالجماعات المجاورة. كما ساهمت المصاهرة والانتساب الرمزي إلى الوليّ في تشكّل السلالات المحليّة، وفي توسيع الانتماء من رابطة نسبيّة ضيّقة إلى هوية اجتماعيّة أوسع.

وبيّنت الدراسة أيضا أنّ الذاكرة الجماعيّة، بما تحمله من روايات متواترة حول النّسب والانتساب إلى الوليّ، مثّلت ركيزة أساسيّة في تثبيت الحقوق وإضفاء الشرعيّة على الاستقرار داخل المجال الجبلي. فقد أتاح هذا الرصيد الرمزي للجماعات المرتبطة بالأولياء إعادة إنتاج حضورها في المجال عبر الأجيال، وضمان استمراريّة الملكيّة والتعمير رغم ما عرفته هذه المجالات من تحوّلات. ويبرز من خلال ذلك أنّ الولاية قد مثلت آليّة اجتماعيّة فاعلة أسهمت في بناء الهويّات المحليّة وفي تنظيم العلاقة بين الجماعة والمجال على المدى الطويل.

الكلمات المفاتيح:

الوليّ، جبل عرباط، خلوة سيدي بوهلال، سيدي راشد، السند الجبل، بوبلال، التّوطين

Résumé

Cet article traite le rôle du phénomène de la Walāya dans les dynamiques de peuplement et de restructuration de l’espace dans les zones montagneuses, à travers l’analyse de modèles locaux liés aux saints (awliyā) et à leurs sanctuaires (maqâmat) et leurs retraites spirituelles (khalawāt), concentrés dans le Djebel Orbât dans le sud-ouest tunisien. La recherche s’appuie sur une approche historique–anthropologique combinant sources historiques, récit oral, documents d’archives et données de terrain, afin de décomposer la relation complexe entre la walāya, l’appartenance tribale, l’espace et l’urbanisation.

Le saint (wāli) a joué le rôle d’acteur central qui a contribué à stabiliser les groupes humains dans des zones montagneuses difficiles à habiter, et leur a accordé une légitimité spirituelle et sociale permettant leur intégration ou la réorganisation de leurs relations avec l’espace et les groupes voisins. Les alliances matrimoniales et l’affiliation symbolique au wāli ont également contribué à la formation des lignées locales et à l’élargissement de l’appartenance, d’un lien relativement restreint à une identité sociale plus large.

L’étude montre également que la mémoire collective, véhiculant des récits récurrents sur la filiation et l’affiliation au wāli, a constitué un pilier essentiel pour la consolidation des droits et la légitimation de la stabilité au sein de l’espace montagneux. Ce patrimoine symbolique a permis aux groupes liés aux saints (awlyāʼ) de reproduire leur présence dans l’espace à travers les générations et d’assurer la continuité de la propriété et de l’aménagement malgré les transformations et ruptures historiques.

Ainsi, la walāya apparaît comme un mécanisme social efficace, ayant contribué à la construction d'identités locales et à l'organisation des relations, à long terme, entre la communauté et son territoire.

Mots-clés :​

Wālī, Djebel Orbât, Khalwa Sidi Bouhlal, Sidi Rached, Essned Djebel, Boublal, peuplement

Abstract

This article examines the role of the phenomenon of Walāya (sainthood/spiritual patronage) in the dynamics of settlement and the restructuring of space in mountainous areas. It does so through the analysis of local models associated with saints (awliyā), their sanctuaries (maqâmat), and their spiritual retreats (khalawāt), focusing on the case of Djebel Orbât in southwestern Tunisia. The research is based on a historical-anthropological approach combining historical sources, oral narratives, archival documents, and field data, aiming to unpack the complex relationship between Walāya, tribal belonging, space, and human settlement.

The saint (wālī) played a central role in stabilizing human groups in difficult-to-inhabit mountainous zones, granting them spiritual and social legitimacy. This legitimacy enabled their integration or the reorganization of their relations with the territory and neighboring groups. Matrimonial alliances and symbolic affiliation to the wālī also contributed to the formation of local lineages and the broadening of belonging from a relatively narrow kinship tie to a wider social identity.

The study further shows that collective memory, carrying recurrent narratives of descent and affiliation to the wālī, constituted an essential pillar for consolidating rights and legitimizing stability within the mountainous space. This symbolic heritage enabled groups linked to the saints (awliyāʼ) to reproduce their presence in the territory across generations and to ensure the continuity of property and land use despite historical transformations and ruptures.

Thus, Walāya emerges as an effective social mechanism that contributed to the construction of local identities and to the organization of long-term relations between the community and its territory.

Keywords:

Walāya, Wālī, Djebel Orbât, Khalwa Sidi Bouhlal, Sidi Rached, Essned Djebel, Boublal, Settlement.

المرجع لذكر المقال

مسطاري بوكثير، « الولاية والتوطّن الجبلي. دراسة حول تشكّل المجالات السكنيّة في ضوء نماذج ولائيّة محلّية بجبل عرباط (الجنوب الغربي التونسي) »، السبيل : مجلة التّاريخ والآثاروالعمارة المغاربية [نسخة الكترونية]، عدد 20، سنة 2025.

URL : http://www.al-sabil.tn/?p=8035

تحميل المقال

نص المقال

المقدمة

يُعدّ الوليّ الصّالح إحدى الشخصيّات المحوريّة في تاريخ المجتمعات المحليّة بالمغرب الإسلامي، إذ غالبا ما يتجاوز حضوره البعد الروحي الضيّق ليؤدّي أدوارًا متعدّدة في تنظيم المجال، وإعادة تشكيل أنماط التوطّن، وضبط العلاقات الاجتماعيّة داخل الأوساط القبليّة والمحلّيّة. وقد مثّلت الولاية، منذ ظهورها خلال الفترة الوسيطة، أحد الأطر الرمزيّة التي تفاعلت ضمنها التحوّلات الديمغرافيّة، ومسارات الهجرة، وإعادة توزيع الجماعات البشريّة بين المجالات السكنية.

وفي هذا السياق، لا يمكن فهم انتشار المنشآت الولائيّة —من زوايا ومقامات وخلوات— باعتبارها مجرّد تعبير عن التديّن الشعبي فحسب، بل ينبغي مقاربتها أيضا بوصفها مؤشّرات ماديّة وتاريخيّة تعكس ديناميّات التوطّن والاستقرار، وتكشف عن آليّات إدماج الجماعات الوافدة في المجال، أو إعادة ترتيب المجال ذاته حول مرجعيات روحيّة جديدة.

ويأتي هذا المقال منطلقا لبحث أوسع، يُعنى بدراسة العلاقة بين الولاية والتوطّن في المجال الجبلي والسهلي الممتدّ شرق مدينة قفصة بالجنوب الغربي التونسي. حيث سيتركّز الاهتمام على تحليل نموذجين ولائيّين محلّيّين، هما خلوة سيدي بوهلال بقرية السند الجبل وزاوية سيدي راشد بقرية بوبلال، وكلاهما ينتصب في جبل عرباط، باعتبارهما مدخلًا لفهم ديناميّات الاستقرار البشري في هذا المجال.

من هذا المنطلق، يطرح البحث تساؤلًا مركزيًا حول مدى إسهام الولاية، من خلال شخصيّة الوليّ والمنشآت المرتبطة به، في توجيه مسارات التوطّن وإعادة تشكيل المجال المحلّي بالمواقع الجبليّة في الجنوب الغربي التونسي خلال الفترة الوسيطة والحديثة؟

ومن خلال معالجة هذه الإشكاليّة، يسعى المقال، من ناحية، إلى تجاوز المقاربة الوصفيّة للظاهرة الولائيّة، نحو تحليلها باعتبارها عنصرًا فاعلًا في التاريخ الاجتماعي والعمراني للمجال المدروس، مع اعتماد مقاربة تاريخيّة–أنثروبولوجيّة تقوم على تقاطع المصادر التاريخية والرواية الشفويّة، والمصادر الأرشيفيّة، والمعطيات المادّية. ومن ناحية أخرى، معرفة مدى أهمّية دراسة النماذج المحليّة في التأسيس لفهم أوسع لدور الولاية في تشكيل المجال الاجتماعي والقبلي بإفريقيّة؟

1. من سدادة إلى السند الجبل: الولاية وموجات التوطّن في جبل عرباط

يمثّل جبل عرباط أحد أكثر المجالات الجغرافيّة حيويّة من حيث الحركيّة البشريّة وتقلّب أنماط التوطّن بالجنوب الغربي التونسي. فقد عرف هذا المجال، عبر التاريخ، تداخلاً بين موجات استقرار متعاقبة وحركات نزوح وإعادة تموضع فرضتها عوامل متعدّدة، من بينها محدودية الموارد، وضغط السلطة المركزيّة، وثقل الجباية، والتقلّبات المناخية، فضلاً عن التحوّلات السياسيّة التي ميّزت الفترات الوسيطة والحديثة. وقد أسهمت هذه الحركيّة في جعل الخارطة البشريّة للمجال غير ثابتة، تتشكّل وتُعاد صياغتها باستمرار وفق منطق التكيّف مع شروط العيش والأمن1.

وفي إطار هذه الحركيّة العامّة، مثّلت بلاد الجريد، ولا سيّما منطقة سدادة، أحد المجالات التي شكّلت مصدرًا مهمًّا لبعض الهجرات نحو جبل عرباط. فقد أفرزت التحوّلات التي عرفتها هذه المنطقة، منذ أواخر العصر الوسيط وبداية العهد العثماني، مسارات انتقال بشري باتجاه المجالات الجبلية المجاورة، التي وفّرت شروطًا نسبيّة للأمن والاستقرار. ويُعدّ استقرار إحدى هذه المجموعات القادمة من سدادة بقرية السند الجبل مثالًا دالًّا على هذا المسار.

غير أنّ انتقال هذه الجماعة لم يكن مجرّد تحرّك من مجال جغرافي إلى آخر، بل اقترن بآليّات رمزيّة أسهمت في تثبيت الاستقرار وإعادة إنتاج الهويّة الجماعيّة داخل المجال الجبلي. ويبرز في هذا السياق الارتباط بالوليّ الصالح سيدي بوهلال السدادي، المدفون بجبل سدادة، بوصفه المرجعيّة الروحيّة التي حافظت على استمراريّة الرابط بين المجالين. فقد شكّل تأسيس خلوة تحمل اسمه في السند الجبل تجسيدًا ماديًا لهذا الارتباط، وعنصرًا فاعلًا في إدماج الجماعة الوافدة داخل المجال الجديد حيث منحها شرعيّة التوطّن به. ومن هذا المنطلق، تُقرأ الولاية هنا بوصفها وسيطًا بين الهجرة والاستقرار، ومفتاحًا لفهم موجات التعمير الجديدة بالمواقع الجبلية.

1.1. خلوة سيدي بوهلال : الامتداد الرمزي والتاريخي بين سدادة والسند

تقع خلوة سيدي بوهلال في قمة جبل الظّهرة بقرية السند الجبل التي تعدّ إحدى أهمّ القرى الجبلية بجبّل عرباط2، وتحديدا فوق المغاور المحفورة في السفح الجنوبي الشرقي للجبل، وهي تطلّ على كامل القرية كما تشرف على السهول التي تمتدّ في الناحية الشماليّة.

أنشأت هذه الخلوة على بناء قديم يصعب تحديد مخطّطه، غير أنّه يبدو أكثر أهمّية من حيث المساحة ويمثل امتدادا للمشهد التعميري الذي يغطّي كامل القمّة ويسمّى هذا المشهد باللسان المحلّي بليدة الناصريّة3. أمّا الخلوة فتمتدّ في شكل مستطيل يبلغ طوله حوالي 9 م وعرضه 6 م، يتخلّلها مدخل وحيد من الناحية الشرقيّة. وانطلاقا من الآثار القائمة يبدو أنّ هذا الفضاء كان يشقّه جدار طولي تتخلله أقواس قد يصل عددها الثلاثة أقواس حسب المسافة المتاحة. ولا شكّ أنّ هذا المخطط اقتضته ضرورات التسقيف الذي لا يمكن أن يقوم على فراغات ممتدة.

وتتوسّط الجدار الجنوبي الشرقي فتحة بُنيت بأحجار صغيرة متراصّة تعلو تجويفًا مستطيلاً ويُتَوِجّها قوس نصف دائري، ويشبه هذا العنصر في هيئته المحاريب البسيطة المنتشرة في الخلوات والزوايا الجبلية. ويبدو أنّه أُنشئ لأداء وظيفة دينية محدّدة، تتمثل أساسًا في تحديد اتجاه القِبلة، مع إمكانية استعمال الجزء السفلي لوضع المصحف أو المصباح الزيتي.

وتبيّن المعاينة كذلك وجود إضافات حديثة تتمثّل في رصّ أحجار فوق بعض الأجزاء المنهارة، دون استعمال الملاط، ودون الالتزام بالشكل الأصلي للمعلم، الأمر الذي يعكس محاولات تلقائية لإعادة تدعيم الجدران أكثر من كونه ترميمًا أثريًا ممنهجًا. (صورة عدد 1 وصورة عدد 2)

صورة 1. آثار خلوة سيدي بوهلال.
المصدر: صورة الباحث.

صورة 2. آثار خلوة سيدي بوهلال.
المصدر: صورة الباحث.

تمثل هذه الخلوة المعلم الولائي الأقدم في قرية السّند القديمة وفي حدود ما سمح به البحث الميداني تعدّ كذلك المعلم الولائي الوحيد. وهو ما يثير تساؤلات حول شخصيّة الولي الصالح سيدي بوهلال: ما الذي يفسّر حضوره في هذا المجال الجبلي البعيد عن مدفنه الأصلي في سدادة بالجريد؟ وما الدلالات التاريخيّة والاجتماعيّة التي يمكن أن يحملها هذا الحضور في سياق تشكّل الولاية وانتقالها بين الفضاءات؟

2.1. سيدي بوهلال السدادي

رغم تواتر ذكر سيدي بوهلال السدادي في بعض الإشارات المتفرّقة في المصادر، فإنّ هذه الإشارات تبقى عامّة ومقتضبة ولا تُتيح رسم صورة دقيقة عن مسيرته الحياتيّة أو الدّور الذي قام به على المستوى المحلّي وعلى مستوى إفريقيّة عموما4.

عاش هذا الوليّ خلال القرن 7 ه / 13 م وتتلمذ على يد أبي علي السنّي (493 هــ/ 1101 م – 610 هــ / 1213 م)5 في نفطة، ومن أشهر معاصريه أبو علي عمار المعروفي (ت 669 ه / 1270 م) وأبو علي سالم القديدي (ت 699 ه /1300 م) بل إنّ هذا الأخير يعدّ من تلامذة أبي هلال السدادي وقد أسّس له زاوية بمنزل قديد استجابة لطلبه6.

ولأبي هلال السدادي زاوية تنتصب في مدخل قلعة سدادة الممتدّة على ارتفاع حوالي 150 م فوق جبل سيدي بوهلال الذي يمثل الجزء الغربي لسلسلة الشارب بالجنوب الغربي للبلاد التونسية. تعدّ هذه الزاوية من أهمّ المنشآت الولائيّة في بلاد الجريد عموما ويتنزل تأسيسها في سياق تاريخي اتّسم بمقاومة المد الإباضي والسعي إلى احتواء النزعات الانفصاليّة التي ميّزت المنطقة. وهو التوجّه الذي توخّته السلطة الموحّدية وتدعّم مع الحفصيين الذين شجّعوا على انتشار الزوايا كآلية ناجعة لنشر المذهب السنّي7.

صورة 3. سيدي بوهلال السدادي بجبل سداة
المصدر: صورة الباحث.

وإذا كانت زاوية أبي هلال السدادي في بلاد الجريد تمثّل أحد أبرز المعالم الولائية المرتبطة بالسياق السياسي والديني العام للمنطقة، فإنّ وجود خلوة تحمل اسمه في السّند الجبل يفتح المجال للتساؤل حول سرّ هذا الحضور خارج مجاله الأصلي. الواقع أنّ ظاهرة تعدّد المقامات والخلوات لوليّ واحد في أكثر من موضع تُعدّ من السّمات البارزة للتديّن الشعبي في تونس، بما يعكس امتداد إشعاعه الرمزي ورغبة الجماعات المحليّة في ربط وجودها ببركة جدّ مؤسّس. وهذا طرح يمكن تناوله من زاوية أنثروبولوجية، غير أنّ اهتمامنا في هذا البحث سينصرف أساسًا إلى قراءة هذا المعطى في أبعاده التاريخية، من خلال محاولة فهم الخلفيات التي قد تفسّر ارتباط اسم أبي هلال السدادي بهذا المجال الجبلي.

3.1. خلوة سيدي بوهلال مؤشر مادي على مسارات التوطّن

إنّ دراسة الخلوات والمقامات الولائيّة في المجال الجبلي لا يجب أن تفصل هذه المنشآت عن التحرّكات البشريّة التي عرفتها المنطقة بداية من العصر الوسيط، إذ كثيرًا ما تركت موجات الاستقرار والانتقال الجماعي بصماتها في شكل معالم دينيّة ارتبطت بذاكرة الوافدين وهويّاتهم الجديدة. فالخلوة أو المقام لا يعبّران فقط عن حضور روحي، بل يشكّلان في كثير من الأحيان شاهدًا مادّيًا على مسارات التوطين وإعادة توطّن الجماعة في فضاء جديد. ومن هذا المنظور، يكتسي وجود خلوة سيدي بوهلال في السند الجبل دلالة خاصّة.

فهل يمثّل وجود هذه الخلوة في السّند الجبل شاهدًا على قدوم مجموعة بشريّة من بلاد الجريد كان لها الدور الأساسي في إرساء هذا المعلم، بما يجعل منه نقطة التقاء بين البعد الولائي والتحرك البشري؟ هذا ما سنحاول مقاربته من خلال تتبّع القرائن التاريخيّة والرمزيّة التي تحيط بخلوة سيدي بوهلال في مجال الدراسة.

بالعودة إلى المكوّن البشري لقرية السّند الجبل يمكن أن نميّز بين مجموعتين أساسيّين8 :
السّنديّة: ومنهم خاصّة الحمازة والسعادلة والحرارثة والعراجنة
والنّاصريّة ومنهم السكارفة وأولاد سعيد وأولاد جراد

ومن المهمّ التنويه إلى أنّ كلّ مجموعة من هذه المجموعات تستحقّ دراسة معمّقة فيما يتعلّق بأصولها وظروف استقرارها وتحوّلاتها التاريخية، غير أنّ ذلك يخرج عن أهداف هذا البحث. وسنركّز اهتمامنا على أولاد جراد، الذين تُجمع الروايات الشفوية وبعض المعطيات الموثّقة على قدومهم من بلاد الجريد، وهو ما قد يمنح وجود خلوة سيدي بوهلال في السّند الجبل أبعادًا تاريخيّة مهمّة تستدعي تحليلا أعمق.

حيث تفيدنا تقارير ضباط الجيش الفرنسي أنّ هذه الجماعة قد نزحت حوالي سنة 1400 م من بلاد الجريد وتحديدا من قلعة سدادة التي سبقت الإشارة إليها، نحو السّند الجبل تحت ضغط الجباية الثقيلة وجور السّلطة. واستقرّت في البداية في جبل بوهدمة الذي يمثل امتدادا طبيعيا لجبل عرباط من الناحية الشمالية الشرقية، ثم التحقت بالنّاصرية في السند الجبل9. ويتقاطع هذا المعطى مع الروايات الشفويّة المتداولة التي تتناول أصول المجموعات البشريّة المكوِّنة لسكان السند، إذ تُجمع على نسب أولاد جراد إلى منطقة سدادة. غير أنّ هذه الروايات لا تُقدِّم تاريخًا محدَّدًا لحلولهم بالسّند الجبل، فتُرجِع ذلك إلى فترة قديمة غامضة يصعب تحديدها بدقّة10.

ولئن مثلت مسألة هجرة السّكان وتغيير مواطنهم تحت وطأة الجباية الثقيلة وجور السلطة ظاهرة عامّة تشترك فيها مجموعات عديدة في مناطق مختلفة، وقد خلفت هذه الظاهرة آثارًا ملموسة انعكست في أنماط التوطين وشبكات التعمير. فإنّ خصوصيّة حالة أولاد جراد تقتضي العودة إلى موطنهم الأصلي المفترض، أي قلعة سدادة، قصد استقراء النصوص التاريخيّة التي تعلّقت بها والتأكّد من مدى صدقيّة ما تنقله الرواية الشفوية حول هجرتهم نحو السند الجبل.

من الناحية السياسية، ارتبطت علاقة سدادة وبلاد الجريد عموما بالسلطة المركزية بمدى قوّة هذه الأخيرة ونجاعة نفوذها. فباعتبارها منطقة نائية وبعيدة عن مركز الحكم، كانت تشهد خلال فترات ضعف الدولة موجات تمرّد وتحركات مناوئة للسلطة القائمة. وهو ما جعلها في مناسبات عديدة عرضة لحملات قمعيّة لإخضاعها واستعادة السيطرة عليها11.

ومن أهمّ الحملات العسكرية التي استهدفت المناطق الجنوبية لإفريقيّة خلال العصر الوسيط حملة أبي فارس سنة 801 ه / 1400 م، فعلى اثر وفاة السلطان الحفصي أبي العبّاس سنة 796 ه، استحوذ أبو يحيى من عائلة بني يملول على مدينة توزر، واضطرّ إبنا السلطان الراحل، المنتصر وأبو زكرياء اللّذان كانا يحكمان الجريد إلى الفرار. وفي الأثناء كان أبو فارس، الذي وصل إلى قابس، يستعدّ إلى الاتّجاه نحو طرابلس. فزحف نحو توزر "فحاصرها حتى أخذها قهرا وقبض على ابن يملول".

ويبدو أنّ هذه الحملة كانت على قدر كبير من العنف والحسم، حيث خفت على إثرها ذكر عائلة بني يملول في المصادر بشكل نهائي12.

وقد ازدادت حدّة هذه الحملات مع توسّع النفوذ العثماني بالمنطقة، حيث سعت السلطة الجديدة إلى بسط سيطرتها المباشرة على المعاقل الجبليّة خاصّة، التي مثّلت ملاذًا للمتمرّدين أو الرافضين لأداء الجباية. وفي هذا السياق، تندرج حملة عثمان داي على بلاد الجريد وعلى سدادة تحديدا سنة 1608 م، والتي شكّلت محطّة حاسمة في مسار إخضاع المنطقة للنفوذ العثماني.

يُعدّ النصّ الذي أورده القشّاش في نور الأرماش من أهمّ الشهادات التي وصلت إلينا حول هذه الحملة. إذ جاء فيه: "حدثني من أثق به، قال: كان في زمن الشيخ سيدي أبو الغيث القشاش باي صاحب محلّة الترك، اسمه رمضان باي، وكان طلع في محلة الترك وصوّب بها للجريد، وأتى لبلد يقال لها سدادة التي فيها سيدي أبو هلال السدادي رضي الله عنه، و طلب عنهم مالا جزيلا، فقالوا له: نحن بلادنا ضعيفة ولم تقدر على أداء هذا العدد من المال وفيها الشيخ سيدي أبو هلال ولا عليها جسارة لأجله، فقال لهم:"أنتم منافقين على الترك، وأنا آخذكم وأقتلكم وأسبيكم، فقالوا: نحن طايعين، لكن إن جئتنا للقتال نحن لا نخليوا رواحنا، ثم أنّه نزل عليهم وحاصرهم، فقاتلوه وقاتلهم، فأخذهم وقتل منهم رجال كثيرة، وسبى رجالهم ونساءهم وأولادهم وباعهم في المحلّة بالسوق والدلال"13.

ولم تقتصر حملة عثمان داي على سدادة وحدها بل شملت مجالاً جغرافيًّا أوسع، حيث طالت جبل عرباط باستهداف بياضة التي تمتدّ فوق قمّة جبل بياضة على بعد حوالي 10 كلم جنوب شرق قرية السند الجبل14. كما طالت جبل العيايشة الذي يمتد جنوب جبل عرباط على بعد حوالي 5 كلم، وذلك باستهداف قرية العيايشة التي تتركّز في عمق الجبل15.

وتوحي إشارة السراج التي تتعلّق بهذا المجال الجغرافي أنّ مافعله عثمان داي ببياضة والعيايشة كان بمثابة الانتقام، وقد يكون ذلك إمّا بسبب تضامن هاتين القريتين مع سدادة أو لانخراطهما كذلك في حركة تمرد ضد السلطة وامتناعهما عن دفع الضرائب. فقد ورد في نصّ السراج أنّ عثمان داي "أخذ بلد سدادة ووجد بها عصابة كثيرة فانتقم منهم وهدّم بسبب ذلك بلد العيايشة وبلد بياضة والحامّة"16.

أدّت حملة عثمان داي على بلاد الجريد إلى تغيّرات جذرية في وضع قلعة سدادة، إذ أعقبتها موجة نزوح كبرى للسكان وتراجع واضح في مشهدها العمراني الذي تحوّل إلى خراب. وقد تجلّت هذه الصورة بوضوح في ما دوّنه العياشي أثناء مروره بالمنطقة إذ يقول: " فطلعنا إلى زاوية الشيخ سيدي أبي هلال في سَنَدِ الجبل وعليه مشهد وعنده مسجد وثيق وحوله أبنيّة ليس فيها ساكن، وقبور كثيرة ربما ترى الأموات في بعضها عليهم أكفان لم يتغيّر منهم شيء"17.

إنّ هذه النصوص، وإن كانت لا تشير صراحة إلى رحيل مجموعات بعينها من جبل سدادة نحو مناطق أخرى، فإنّها تبرز حالة الاضطراب الأمني والاجتماعي التي كانت سائدة آنذاك، والتي دفعت العديد من الجماعات إلى النزوح نحو مجالات أكثر أمنًا واستقرارًا، وهو ما ينسجم مع مضمون الرواية الشفوية والتقارير الفرنسية بشأن هجرة أولاد جراد من قلعة سدادة إلى السّند الجبل التي قد تكون حصلت في أعقاب هذه الأحداث الدامية التي كان سببها الامتناع عن دفع الضرائب.

غير أنّ تدعيم هذه الرواية لا يقتصر على المصادر المكتوبة فقط، إذ يمكن الاستئناس أيضًا بجملة من القرائن الجغرافية والثقافية والأثرية التي تساعد على تعزيز الفرضية وتوسيع أفق قراءتها. فجغرافيا لا تتجاوز المسافة المباشرة بين المجالين 100 كلم وهو ما يجعل التنقّل بينهما ممكنًا في إطار نزوح جماعي، كما أنّهما يتشابهان من حيث الخصائص التضاريسية والطبيعة الجبليّة والمناخ الجاف والموارد المائية المحدودة. ومن شأن هذه العناصر مجتمعة أن تجعل من استقرار جماعة قادمة من سدادة في السند الجبل أمرًا طبيعيا، إذ ستستقرّ في بيئة تكاد تحاكي موطنها الأصلي في ملامحها الطبيعيّة وظروفها المعيشية، وهو ما سيمكنها من التأقلم السريع مع المجال الجديد.

أما من الناحية الأثرية والمعمارية، فإن موضع قلعة سدادة وقرية السند القديمة يكشف عن نمط متقارب في اختيار مواقع العمران، حيث تنتصب التجمّعات فوق القمم المرتفعة في مواقع حصينة تحيط بها الأودية، وتشرف على السهول الممتدة كما أنّ هذا التموضع يمكنها من مراقبة المسالك والطرقات التي تشقّ هذه السهول بما يضمن مراقبة حركة العبور فضلا عن التصدي لأي تهديد محتمل.

وإلى جانب المعطيات التاريخيّة والجغرافيّة يبرز البعد الثقافي كعامل إضافي يدعم الروابط الممكنة بين المجالين فسكان كلّ من قلعة سدادة والسّند الجبل ينتمون إلى البربر، وهو ما يعكس تجانسًا إثنيًا وثقافيًا يساهم في تسهيل اندماج المجموعات البشرية القادمة وتكيّفها مع المحيط الجديد. ويمكن أن نرجّح، بحكم هذا الانتماء المشترك، وجود قنوات تواصل وعلاقات سابقة للهجرة، بما يجعل من خارطة التوطّن البربري معلومة بالنسبة للسكان المحلّيين. كما أنّه يمكن اعتبار التجاء بعض من أهالي سدادة إلى السّند الجبل مظهرا من مظاهر التضامن القبلي البربري، خاصّة وأنّ هذه الحادثة لا تمثل استثناء بل إنّ المصادر التاريخيّة وسير القبائل المحفوظة في الذاكرة المحلّية تخبرنا بوقائع عديدة مماثلة18.

ونشير أخيرا إلى المجال الروحي والديني، الذي يعكس بدوره وجود تواصل فعلي بين المنطقتين في إطار الشبكة الولائية. فبعض الأولياء الذين يُنسبون إلى بلاد الجريد نجد لهم حضورًا في مجال الدراسة، مثل الوليّ سيدي حسن الذي يوجد مقامه في نفطة وله أيضًا مقام في جبل بيّاضة، وكذلك سيدي علي النفطي الذي يرتبط اسمه بنفطة من بلاد الجريد، له مقام كذلك في جبل بيّاضة نفسه19. وتعكس هذه المعطيات أنّ التواصل لم يقتصر على الصلة بين جبل سدادة وجبل السند فحسب، بل كان أوسع وشمل منطقة الجريد وجبل عرباط عموما، بما يؤكد أنّ هذا المجال الجبلي كان منفتحًا على التأثيرات الروحية الصادرة من الجريد، وأنّ الحركية الولائية فيه كانت جزءًا من فضاء ديني أرحب يتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة ليشكّل وحدة روحية متداخلة الملامح.

إنّ المعطيات التاريخيّة والجغرافيّة والثقافيّة التي تمّ استعراضها، تتيح لنا تبنّي فرضيّة علميّة وجيهة، مفادها أنّ وجود خلوة سيدي بوهلال في السند الجبل لم يكن حدثًا معزولًا عن السياق العام للحركيّة البشرية والدينية التي عرفتها المنطقة، بل يُرجَّح أن يكون نتاجًا لمسار استقرار جماعة قادمة من بلاد الجريد، وعلى الأرجح من جبل سدادة، وهي الجماعة التي تُعرف اليوم بأولاد جراد. فالتقاطع بين الروايات الشفويّة والتقارير الاستعماريّة والمعطيات الجغرافيّة والإثنو-ثقافية يُشير إلى وجود خيوط متشابكة تربط بين المجالين، وتُبرز في الآن ذاته البعد الرمزي الذي تحتفظ به الخلوة بوصفها شاهدًا على تحوّلات التوطين وإعادة تشكيل الهويّة الجماعيّة في المجال الجبلي.

وبناءً على ذلك، يمكن النظر إلى خلوة سيدي بوهلال كـأثرٍ مادّيّ وروحيّ لتاريخ من والاندماج والتفاعل بين المجالين الجريدي والجبلي، الأمر الذي يمنحها مكانة محوريّة في فهم تشكّل الشبكة الولائيّة في هذه الجهة من إفريقيّة.

2. قرية بوبلال الجبلية أو سيدي راشد: قراءة في تحولات المجال والهويّة

تمثّل قرية بوبلال، الواقعة في عمق جبل عرباط بالجنوب الغربي للبلاد التونسية، بموقعها شبه المعزول والمحاط بالجبال من جميع الجهات، نموذجًا دالاّ على اقتران موجات التعمير الجديدة بوليّ صالح أو جد مؤسّس. يمنح المجموعة الوافدة شرعيّة الاستقرار في المجال ويشكّل مرجعًا روحيّا ورمزيّا ترتكز عليه هويتها الجماعيّة واستمراريتها عبر الزمن.

يمكن الوصول إلى القرية انطلاقًا من مدينة السند (على بعد 20 كم شمالًا)، عبر المسلك الجبلي الذي يخترق جبل عرباط مرورًا بقرية السند الجبل، المتمركزة على مسافة تقدر بحوالي 10 كلم شمالا وهي التجمّع السكني الأقرب إلى بوبلال.

ويمتدّ المشهد التعميري الذي مازال قائما فوق هضبة قليلة الارتفاع تحيط بها الأودية إحاطة كاملة، ويشكل وادي الشّيخ أهمّ هذه الأودية، حيث يمثل الحد الطبيعي للهضبة من الشمال الشرقي والشمال الغربي.

تُعتبر زاوية سيدي راشد، التي تحتلّ الجهة الجنوبية الغربيّة من الهضبة، أبرز المعالم المعمارية في الموقع، الذي يمكن أن نميّز فيه بين موضعين:

        • الموضع الأول: قمّة الهضبة، وهو يضم إضافة إلى الزاوية المذكورة، مجموعة من المساكن الحجرية شبه الخالية من السكان، باستثناء عدد محدود منها. أما أغلب المساكن فتمثّل آثارا صامتة لمبان قديمة، هجرها أهلها نحو حاضنتهم الجديدة، قرية الرواشد، التي تقع على بعد حوالي 7 كلم شمال شرقي هذا الموضع وتتبع إداريا معتمدية بلخير.

        • الموضع الثاني: المنحدر الشرقي للهضبة، يبدو أقلّ أهمّية من الموضع الأول. وتمتد فوقه آثار نواة استيطانيّة قديمة تُعرف محلّيًا باسم الهنشير20. وتتكوّن من أساسات جدران وبقايا وحدات سكنيّة متداعية وبعض العناصر التابعة لمعاصر الزيتون، وهو مغطى بالكامل بالتين الشوكي.

يبرز هذا المشهد التعميري المزدوج أنّ قرية بوبلال عرفت مرحلتين متعاقبتين من التوطّن عكستا تحوّلا مهمّا في أنماط الاستقرار وتوزّع السكان. ومن هذا المنطلق سنحاول النظر في كل مرحلة من مراحل التوطّن ومظاهرها العمرانية والاجتماعية، في محاولة لتحديد ملامح التوطّن الأولى قبل قدوم سيدي راشد، ثم تتبع التطور الذي قاد إلى بروز بوبلال الرواشد القرية التي احتضنت الموجة الثانية للتوطين.

صورة 4. مشهد عام لقرية بوبلال وزاوية سيدي راشد
المصدر: صورة الباحث.

1.2. بوبلال ما قبل حلول سيدي راشد

تمثل آثار المنحدر الشرقي التي أشرنا إليها سابقا نواة التعمير الأولى في الموقع، وهي لا تختلف عموما من حيث الموضع وانتظامها المجالي عن نواتات التوطّن الأخرى التي تم رصدها ودراستها في مواقع مختلفة بجبل عرباط. غير أنّ الخراب الذي طال هذا الموقع يحول دون إعادة تصوّر لمخططه الأصلي وتحديد امتداده المجالي والعناصر المعمارية المكوّنة له. ويزيد من غموض هذا المشهد غياب المعطيات الموثّقة الدقيقة التي تساعد على تأريخ نشأة هذه النواة أو تحديد ملامح الاستقرار البشري بها.

صورة 5. جانب من آثار قرية بوبلال القديمة
المصدر: صورة الباحث.

فالروايات الشفوية المتناقلة تشير إلى أنّ السكان الأصليين لهذه القرية هم من أصول بربرية، وقد اضطروا إلى مغادرة موطنهم في زمن غير معلوم على وجه الدقّة، تحت وطأة الجباية المجحفة وجور السلطة المركزية. ويَستدل الرواة على ذلك بما تناقلوه عن أسلافهم من أخبار تتعلّق بسيرة السكان الأوائل. وكذلك بما يُروى عن موضع محلّي يُعرف إلى اليوم باسم "جنان المندبة"، وهو جنان زيتون يمتد في المدخل الجنوبي الشرقي للقرية المؤدي إلى منطقة الطلح. حيث يشير الرواة أنّه، وأثناء رحيلهم القسري، توقّف سكان قرية بوبلال في هذا الموضع وعبّروا عن محنتهم وحزنهم العميق لمغادرة موطنهم في مشهدية لاتزال راسخة في الذاكرة الجماعيّة21.

وإذا كانت الرواية الشفوية قد حفظت ملامح مبهمة عن السكان الأوائل لبوبلال، فإنّ الوثائق العثمانية توفّر معطًى أكثر دقّة يؤكد حضور القرية ضمن المجال الجبائي خلال القرن السابع عشر، حيث ذكرت هذه القرية من بين القرى والمجموعات البشرية الخاضعة للضرائب الموظفة من طرف السلطة العثمانية، وقد ورد بيان هذه المعطيات بشكل مفصّل في الدفتر الجبائي عدد 1 للبلاد التونسية الذي يغطي فترة تاريخية تمتد من سنة 1676 إلى 1681 22.

وفي سياق متصل، تفيد التقارير الفرنسية بأن أولاد بوبلال غادروا القرية في وقت سابق، خلال سنة 1400، في نفس الفترة التي استقرّ فيها أولاد جراد بقرية الناصرية في السّند الجبل، مدفوعين بجور السلطة وفرض الضرائب المجحفة، تاركين بعض فروعهم، مثل أولاد جاب الله، الذين التحقوا بدورهم بقرية الناصرية23.

تُظهر هذه المعطيات المتقاطعة بين الرواية ووثائق الأرشيف ملامح سياق عام اتّسم بعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، وبضغوط اقتصاديّة متزايدة. غير أنّ ذلك لا يعفينا من التعمّق أكثر في بعض المعطيات المشار إليها أعلاه للتدقيق في مدى صدقيتها، والرجوع خاصّة إلى المصادر التي تمثل أساسا مرجعيّا ضروريّا لفهم دوافع الهجرة المحتملة والتحوّلات التي عرفتها الخارطة السكانيّة في مجال الدراسة ضمن سياق أكثر شموليّة. فمسألة الانتساب البربري لسكّان بوبلال الأوائل تعدّ استنتاجاً منهجيّا يستند إلى معطيات متعددة، يأتي في مقدمتها الموقع الجغرافي للقرية ضمن جبل عرباط، الذي يشكّل - كما تؤكده المعطيات التاريخية والميدانية - فضاءً بربرياً أصيلاً تميّز بصبغة قبلية وثقافية مخصوصة.

وتدعم هذه الفرضيةَ معطياتُ الطوبونيميا المحلّيّة المحيطة بالموقع، التي تحمل بصمات واضحة للّغة البربريّة ويمكن رصد هذه السمة اللغويّة في عدد من المواقع والوحدات التضاريسيّة. حيث تنتشر تسميات مثل تلات نْ مِسْنَة و سوناف وسِدِّيت وقَرْطشونة ووِلْجة جرادة وحريڨ نْ موشِنْ، وغيرها من التسميات التي تشكّل نظاما طوبونيميا متجانسا. أمّا الإشارة إلى عام 1400م كتاريخ مفترض لرحيل سكان بوبلال، فتعدّ إشكاليةً تاريخية تحتاج إلى تمحيصٍ دقيق، فهذا التاريخ يسبق بأكثر من قرنين ظهور القرية في السجلات العثمانيّة خلال القرن السابع عشر. ولتفكيك هذا التناقض الظاهري، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي العام للمنطقة خلال تلك الفترة.

تتوافق سنة 1400 م في المصادر مع حملة أبو فارس التي سبق ذكرها والتي لم تستهدف مدينة توزر فحسب وإنّما طالت كذلك مدينة قفصة، فبعدما استولى على توزر وقبض على ابن يملول، واصل السلطان الحفصي أبو فارس زحفه إلى أن وصل قفصة "فأقام عليها أياما حتى تمكّن منها باستسلام أهلها ودخلها قهرا وقبض على بني العابد شيوخها المخالفين عنه وهم الأخوة الثلاثة منصور وأبو بكر وعلي وذلك في ثاني شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة وعفا عن أهلها بعد فيء وقع فيها وأمر بتخريب سورها وقدّم فيها القائد محمد التواسي"24.

يبدو جليا انطلاقا من هذا النص أن حملة أبو فارس كانت محدودة النطاق واستهدفت مدينة قفصة دون غيرها من المناطق المأهولة المجاورة. غير أنّ أثرها قد يتجاوز حدود المجال الذي استهدفته مباشرة، حيث أنّ مظاهر العنف التي صاحبت هذه الحملة من تخريب للأسوار واعتقال للوجهاء المحلّيين أشاعت حالة من الذعر والاضطراب في صفوف السكان عموما وأدّت إلى اتساع رقعة الخوف، وهو ما قد يولّد لدى بعض المجموعات الجبلية، التي كانت تعتمد على اقتصاد الكفاف، نزعة قوية نحو النزوح والبحث عن مجالات أكثر أمنا واستقرارا.

والحقيقة أنّه على أهمّية الحملات التي شنّتها السلطة الحفصية على المناطق الداخلية، والتي كانت تهدف في جوهرها إلى تأمين جباية الأموال والضرائب من السكان المحلّيين، لا تورد المصادر أيّ إشارة مباشرة إلى حملات استهدفت المجموعات الجبليّة في جبل عرباط أو القرى الواقعة في نطاقه. فهذه الحملات كانت تتركّز أساسًا على المراكز الحضرية الكبرى مثل توزر وقفصة، التي كانت تمثّل نقاط ارتكاز استراتيجيّة للسلطة في مراقبة المجال وضمان تدفّق الموارد.

غير أنّ الفترة العثمانية ستشهد أوّل حملة مباشرة على هذه المجموعات. وهي التي قادها عثمان داي سنة 1010 ه / 1593 م، الذي انطلق من الجريد بعدما أخذ بلد سدادة، متجها غربا حيث قام بتهديم "بلد العيايشة" التي تقع في جبل العيايشة. وكذلك بياضة التي لا تبعد إلا حوالي 6 كلم جنوب غربي قرية بوبلال وتتركّز بدورها في جبل عرباط25.

إنّ ما تمّ عرضه من معطيات يتيح لنا استخلاص جملة من الاستنتاجات نصوغها على النحو التالي: يمكن إدراج قرية بوبلال ضمن شبكة المستقرّات الجبليّة التي نشأت بجبل عرباط خلال الفترة الوسيطة، ويأتي ظهور هذه المستقرات في إطار التحوّلات الجذرية التي شهدتها المنطقة منذ منتصف القرن الخامس الهجري، مع دخول قبائل بني هلال إلى إفريقية وما رافق ذلك من انزياحات بشريّة وتحولات ديموغرافيّة عميقة. حيث تحوّلت المناطق الجبلية إلى ملاذات ومراكز جذب للسكان ممّا أدّى إلى إعادة تشكيل للخريطة القبلية والعمرانية بالمنطقة.

أمّا فيما يتعلّق بتاريخ رحيل أولاد بوبلال، فتلك إشكالية تتقاطع فيها الرواية الشفوية مع وثائق الأرشيف والمصادر التاريخية، دون أن يُفضي هذا التقاطع إلى تحديد تاريخ موحّد أو نهائي لهذا الحدث. وانطلاقا من هذا التداخل الزمني يبدو أنّ حركة أولاد بوبلال لم تكن هجرة مفاجئة وجماعيّة بقدر ما كانت مسارا تدريجيا لإعادة التموقع داخل المجال الجبلي نفسه الذي يحتضن مستقرّهم الأصلي أو في مجالات أخرى أبعد. ومن المرجّح أن تكون بدايات هذه الحركة قد تزامنت مع اشتداد الحملات الحفصيّة على المناطق الداخليّة وبلغت ذروتها خلال بداية العهد العثماني حيث أصبحت الحملات تستهدف مباشرة الفضاء الجبلي.

وأخيرا، جدير بالذكر أنّ استمرار ذكر أولاد بوبلال في السجلات الضريبية العثمانية للقرن السابع عشر لا ينفي حصول الانزياح السكاني، بل يؤكد استمرارية الكيان الاجتماعي لهذه الجماعة رغم تغيّر موقعها الجغرافي، وهو ما يتوافق مع طبيعة النظام الجبائي العثماني الذي كان يركّز على تتبع الوحدات الاجتماعيّة بغض النظر عن تحركاتها المكانيّة ضمن مجالها الترابي المعروف.

2.2. بوبلال ما قبل حلول سيدي راشد

إذا كان تاريخ قرية بوبلال يتّسم بالالتباس، فإنّ تاريخ الوليّ الصالح راشد بدوره يظل غامضًا، وهو ما يثير منذ البداية تساؤلات حول زمن ظهوره والحيثيات التي صاحبت حلوله بهذه القرية. وسنحاول في هذا الجزء مقاربة هذه التساؤلات استنادًا إلى ما أمكن تجميعه من معطيات ميدانية، وما توفر من وثائق أرشيفيّة، إلى جانب ما تنقله الرواية الشفويّة من أخبار.

فعلى المستوى الميداني، وكما سبقت الإشارة تحتلّ زاوية سيدي راشد القسم الجنوبي الغربي من الهضبة التي تمتد فوقها القرية. وهي عبارة عن مركّب معماري محاط بسياج، يتضمّن، إضافة إلى غرفتي الأضرحة اللّتين تأوي أحدهما ضريح سيدي راشد وضريح للّة راشدية وتأوي الغرفة الأخرى ضريح سيدي سالم الإبن، مجموعة من الغرف المخصّصة للزوار. ويحظى هذا المركّب بعناية خاصّة من حيث التعهّد والصيانة وهو قبلة للزوار والمريدين على مدار السنة.

حيث يتمتع الوليّ المذكور بمكانة خاصّة على المستوى المحلّي وفي المنطقة عموما حتى اختزل اسم القرية في اسمه فصار يشار إليها بأكملها باسم سيدي راشد مع تراجع ملحوظ في استخدام التسمية الأصلية "بوبلال". كما يسمّى سكان هذه القرية الحاليين بالرواشد نسبة إلى هذا الوليّ.

أمّا فيما يتعلّق بسيرته فتقتصر الروايات المتداولة على بعض الوقائع التي تُصنّف ضمن ما يعرف بالكرامات وقد تجسّدت هذه الكرامات في مواقف متعددة خلال حياته، من ذلك معالجته للمحن والأمراض وتأثيره الروحي على محيطه ونجدة المستجير به أينما وجد، مما رسّخ مكانته كوليّ صالح في ذاكرة السكان المحليين26.

كما احتوت بيت الضريح على لوح رخامي حديث تضمّن بعض المعطيات تتعلق بأصله ومولده ووفاته وفيما يلي النص كاملا:

"الشجرة العائلية للعلامة الهاشمي البصير سيدي راشد
ولد سيدي راشد بمنطقة العمارة بواد سوف بالجزائر سنة 1098 هجري
1677 ميلادي. انتقل إلى قسنطينة ومرتفعات جبل سيدي جابر لمدة 24 سنة
ثم انتقل إلى أرض تونس واستقل بجبل عرباطة بمنطقة بوبلال قرية
من السند جبل تزوج بأم الخير بنت على بن صالح الردّاوي وأنجب منها ولدان
وإبنة وعرف بالعباد والتقوى وحسن الخلق وتوفي سنة 1178 هجري
الموافق لسنة 1757 ميلادي عن عمر 80 سنة.
الشيخ سيدي راشد بن محمد بن علي بن يحيى بن محمد بن علي بن
هاشم بي أبي القاسم بن سبع بن عمران بن زكرياء بن زين العابدين
بن هلال بن محمد بن يوسف بن طار بن أحمد بن محمد بن عبد الله
ابن إدريس الأصغر بن إدريس الأكبر بن عبد الله بن الحسين بن علي
ابن أبي طالب أبناء السيدة البتول فاطمة الزهراء رضي الله
عنهم وأرضاهم جميعا"

رغم ما يكتنف هذه المعطيات من غموض وما تطرحه من تساؤلات تتعلّق بدقّة التواريخ واتّساقها مع السياق التاريخي العام، فضلاً عن مسألة انتساب سيدي راشد إلى آل البيت الذي يمثل سمة شائعة في أنساب العديد من الأولياء، فإنّها تظلّ مع ذلك منطلقا لاستخلاص عدد من الملاحظات والاستنتاجات الأوّلية في هذا المستوى من التحليل.

فاستقرار الولي الصالح راشد في بوبلال بجبل عرباط يعكس توجّها متجذّرا في تجربة التصوف بإفريقيّة وببلاد المغرب الإسلامي عموما. حيث تمثل الجبال أماكن عزلة تسمح للأولياء والمتصوّفة بالانغماس في العبادة والتأمل. كما أنّ البعد الاستراتيجي لهذا الاختيار لا يقلّ أهمّية، إذ تتيح التضاريس الجبليّة الحماية الطبيعيّة وتُؤسس لنوع من الاستقلالية المجالية التي تعزز مكانة الولي وتُرسّخ حضوره في الذاكرة الجماعية. وهو تقليد شائع برز في العديد من الجبال والمناطق الجبلية، على غرار مانجده في جبل بياضة الذي يحتضن مقام الولي الصالح حسن عياد27، وجبل سيدي بوهلال الذي يحتضن زاوية وضريح سيدي بوهلال السدادي28، وجبال مطماطة التي مثلت مجال جذب لعديد المنشآت الولائية29.

أمّا الإشارة إلى ولادة الولي راشد بو النيران في وادي سوف وانتقاله منها إلى قسنطينة حيث قضّى 24 سنة قبل انتقاله إلى جبل عرباط، تعكس مرحلة التكوين الروحي والعلمي التي تسبق عادة استقرار الأولياء في مواقعهم النهائية. وهذا المسار يشكّل نموذجًا شائعًا في سِيَر الأولياء. مع الإشارة إلى أنّ قسنطينة مثّلت خلال الفترة العثمانية مركزا علميّا وروحيّا بارزا حيث انتشرت بها الزوايا والطرق الصوفيّة بشكل لافت مما يجعل من إقامة سيدي راشد هناك لأكثر من عقدين من الزمن محطة أساسيّة في تكوين شخصيته كصوفي ومعلّم30.

ويمثّل زواج سيدي راشد من عائلة محلّية تمثلها أم الخير بنت علي بن صالح الردّاوي خطوة نحو الاندماج داخل النسيج الاجتماعي المحلّي عبر آلية المصاهرة. التي ستمنح الوليّ سندا اجتماعيا وتفتح أمامه شبكة قرابيّة موسّعة، كما ستمكّنه من تأسيس نسل جديد يجمع بين الأصل الوافد والتوطّن المحلّي. حيث تُنسب زوجة الوليّ إلى الردادية، وهم فرع من أولا عزيز الذين يمثلون إحدى عمارات قبيلة الهمامّة الثلاثة وهم إضافة إلى أولاد عزيز، أولاد معمّر وأولاد رضوان. أمّا موطنهم فيتحدد ضمن مجال الدراسة في منطقة القوسة خاصّة التي تمتدّ على بعد حوالي 10 كلم شمال شرق مدينة السّند31.

3.2. بوبلال ما قبل حلول سيدي راشد

لقد أتاح هذا الزواج من عرش الردادية لسيدي راشد أن يرسّخ جذوره في المجتمع المحلي ويؤسس سلالة كاملة تسمّى بالرواشد. وهو ما تؤكّده وثيقة أرشيفيّة مؤرخّة بسنة 1332هـ/1913م رصدت بدقّة أسماء فرع من الرواشد في إطار تأمين استمرارية الملكيّة وحماية الحقوق الموروثة داخل ذريّة الوليّ32. تستند هذه الوثيقة إلى الشهادة الجماعيّة كما تبيّن عبارة "الفاشي المستفيض المتواتر"، بما تحمله من دلالة على انتشار الخبر وثبوته بتواتر الرواية داخل الجماعة. وقد كُتبت بخط مغربي نسخي واضح وتوزّع نصّها على صفحتين، تضمّنت الصفحة الأولى واحد وعشرون سطرا، في حين تضمنت الصفحة الثانية سبعة أسطر. وفيما يلي نسخة من هذه الوثيقة ثم نصّها.

الصفحة الأولى

الصفحة الثانية

الصفحة الأولى
1. الحمد لله شهوده الذين ذكرهم يشهدون بأنهم لم يزالوا يسمعون سماعا
2. فاشيا مستيقنا على ألسنة الثقات من أهل العدل وغيرهم حتى حصل لهم
3. العلم بذلك وقام عندهم مقام اليقين كوجود مكة الشريفة والمدينة والمنورة زادها الله شرفا
4. وتعظيما أن الولي الصالح الشيخ سيدي محمد بن يحيى الراشدي من قرية بوبلال من عمل قفصة توفي إلى عفو الى
5. وسعت رحمته وورثه أبناؤه عمر وأبا بكر ونصر ومحمد ثم توفي أبا بكر المذكور وورثه
6. اخوته المذكورون ثم توفي نصر المذكور وورثه اخوته المذكورون ثم توفي محمد المذكور وورثه
7. عمر وعلي المذكوران ثم توفي عمر وورثه ابنه مبروك لا غير ثم توفي علي
8. وورثه ابنه محمد ثم توفي مبروك المذكور وورثه ابنه بلقاسم ثم توفي محمد المذكور وورثه أبناؤه عمر وعلي
9. وعبد المولى وراشد لا يعلمون وارث ولا عاصب لمن ذكرت وفاته سوى من ذكر كل ذلك بالسماع
10. الفاشي المستفيض المتواتر على النسخة المقررة وفيه شهودا وعليه أدوا شهائدهم هذا .....
11. منهم لسايلها بتاريخ يوم الاثنين ثالث محرم الحرام عام 1332 اثنين وثلاثين وثلاثماية
12. وألف وغرة ديسمبر سنة 1913 ثلاثة عشر وتسعماية وألف
13. المكرمون المسنون خليفة بن سالم بن خليفة البوسعدي ومحمد بن احمد بن صالح
14. وعلي بن بالقاسم بن صالح        وعبدالله بن مبارك بن خنسي والحاج محمد .....
15. وعلي بن علي الاسود الجمـيـ6ـع من القبيل ثقة معروفون
16. الحمد لله يعرف شهيداه الذي ذكر من جميع الشهود المذكورين اعلاه معرفة كاملة
17. ويشهدان مع ذلك بتزكيتهم معمول بشهادتهم شرعا ولا بعده زوالهم عن
18. تلك الحالة الى الان كل ذلك في علمهما وعليه قيدت شهادتهما هنا سوية منهما لطالبها
19. بتاريخ اعلاه المكرمان الشيخ (كان) عمارة بن علي وبالقاسم بن علي بن مبارك من القبيل
ثقة معروف             ثقة معروف
20. الحمد لله حرر شهيداه شهادة جميع الشهود المذكورين اعلاه اصلا
21. وتزكية باذن مؤرخ في 5 ذي الحجة الحرام وفي 4 (.....) من مولانا العلامة

الصفحة الثانية
1. ولتحرير الوراقة "استدعى" المدرس ابي عبد الله سيدي محمد بن بلقاسم الشابي الشيخ
2. القاضي بقفصة وعملها حسبما يضع أثر ختمه المبارك امامَ حمدِ لله وعده الله وزيد في
3. عافيته وكرمه ءامين لثبوت موجبهما لربه.ثبوتا شرعيا تحريرا تاما نيابة عنه لتفرق
4. الشهود وتعذر حضورهم لديه دامت نعم الله عليه وذلك بتاريخ اعلا اعلا يمناه
5. واجره احدى عشر فرنك وسبعون سانتي ومعلومه زوز فرنك وخمسة وسبعون سنتي وتانبر
6. كتبه مع الترسيم بالدفتر في زوج فرنك وثمانون وسلم له توصيل عدد بقيمه عبده
7. وفقير إلى ربه عما سواه عبده          مبروك بن أحمد كيلاني
                                               بوسعدي لطف الله به

بيانه مبروك بن حمد بن كيلاني البوسعيدي ممن يشهد
ببني عمراد واولاد بوسعد من عمل قفصة لطف الله به
امين
ختمت في الجارين

تُعدّ هذه الوثيقة الإشهادية، المؤرّخة بسنة 1332هـ/1913م، مصدرًا ذا قيمة بالغة في فهم آليات تثبيت الملكية والهوية داخل الجماعات المرتبطة بالأولياء في المجال الجبلي. فهي لا تكتفي بإثبات تَسَلْسُلٍ نسبيّ لفرع من الرواشد، أحفاد الولي سيدي راشد، بل تعكس كذلك طريقة اشتغال الذاكرة الجماعية في حفظ الحقوق عبر السماع المتواتر و"الفاشي" الذي يقوم مقام الوثيقة الرسميّة في ظل غياب السجلاّت المكتوبة المبكّرة. ويكتسي هذا الإسناد الشفوي طابعًا مؤسِّسًا، إذ يظهر كيف تُستَثمر الولاية في تدعيم الملكيّة العقاريّة وضمان انتقالها عبر الأجيال، بما يجعل النسب الروحي والانتساب إلى الجدّ الوليّ سندًا اجتماعيًا وقانونيًا لحماية المجال.

كما تتيح هذه الوثيقة وانطلاقا من تتبّع تسلسل الأجيال، تقديم تقدير تقريبي لتاريخ وفاة الوليّ، فباعتبار متوسّط امتداد الجيل الواحد بنحو ثلاثين سنة. واستنادا إلى تاريخ كتابة الوثيقة سنة 1913، يمكن أن نقدّر أنّ وفاة الولي تعود إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر وهذا التاريخ لا يتعارض مع التاريخ المدوّن على اللّوحة الرخامية المشار إليها سابقا.

يبقى من الضروري في هذا المستوى من التحليل طرح إشكاليّة أساسيّة، تتعلق بالحالة السكّانية التي وجد فيها الولي راشد بو النيران قرية بوبلال عند استقراره بها. فهل حلّ بقرية مأهولة، أم أنّه استقر في مجال شبه خالٍ فأعاد تشكيله حول شخصه وذريته؟

لا تتوفّر مصادر موثوقة تقدّم معطيات دقيقة حول حالة القرية السكّانية في تلك الفترة. والمعطيات المتوفّرة تقتصر على بعض الروايات الشفويّة المتناقلة بين السكان، والتي تشير إلى أنّ السكان الأصليين لهذه القرية قد غادروا موطنهم في زمن غير معلوم على وجه الدقّة، قبل حلول سيدي راشد بالمكان. ويَستدل الرواة على ذلك بما يُروى عن موضع محلّي يُعرف إلى اليوم باسم "جنان المندبة"، والذي سبق وأن فصّلنا الحادثة التي ارتبطت به.

وتُفيد المعطيات الواردة في كتاب «أسماء وتوزيع القبائل التونسية» الذي صدر سنة 1900، أنّ أولاد سيدي راشد يُعدّون من المجموعات الفرعية المنتمية إلى الناصرية، والمستقرّة في قرية السند الجبل إلى جانب السّنديّة. كما يُشير نفس المصدر إلى أنّ مواطن استقرارهم شملت، إضافة إلى قرية الناصرية، كلًّا من قرية بوبلال ومنطقة الطلح33.

ويؤكّد البحث الميداني في الخارطة البشريّة لهذه المجالات أنّ الرواشد بالفّعل يتوزّعون على أكثر من موقع، فمن ناحية هم يمثلون رغم محدودية عددهم، إحدى المجموعات التي استقرّت بالسّند الجبل ومكوّنا أساسيا في النسيج السكاني لهذه القرية. ومن ناحية أخرى تُعدّ منطقة الطّلح، المجال الذي احتضن المستقرّ الجديد لهذه المجموعة، حيث نشأت بها قرية الرواشد في موقع لا يبعد إلا حوالي 5 كلم عن قرية بوبلال الجبلية.

غير أنّ استقرار الرواشد لم يقتصر على هذه المجالات فحسب، بل امتدّ أيضًا إلى قرى جبلية مجاورة على غرار بوعمران والساكت (أولاد بوسعد)، وهما قريتان تتركزان في نفس السلسلة الجبلية من الناحية الجنوبيّة الغربيّة.

إنّ توزّع الرواشد على كامل المجال الجبلي رغم انحدارهم من موطن أصلي واحد هو قرية بوبلال، يعبّر عن ديناميّة عمرانيّة واجتماعيّة عرفها هذا المجال عبر الزمن. ويمكن أن نفسّر ذلك بعوامل عديدة. فلا شكّ أنّه مع تضاعف عدد أفراد هذه السلالة وتحوّلهم إلى فروع عائلية متعدّدة، برزت الحاجة إلى التوسّع في مجالات جديدة تضمن موارد عيش أوسع واستقلالية سكنية أكبر، دون القطيعة مع الأصل الرمزي المتمثل في موطن الجدّ المؤسس. كما أنّ عامل المصاهرة ساهم بدور محوري في توسيع دائرة الانتماء إلى سيدي راشد. فقد أدّى رابط الزواج بين ذرية الولي والعائلات المجاورة في القرى الجبلية القريبة مثل الساكت (أولاد بوسعد) وبوعمران والسند، إلى تشابك الروابط القرابيّة وتحوّل الانتساب إلى الولي من رابطة نسب بيولوجيّة ضيّقة إلى انتماء اجتماعي أوسع. وقد أتاح هذا التمازج للعائلات غير المنحدرة مباشرة من نسل الولي أن تُدرج ضمن فلك الرواشد، إمّا بحكم المصاهرة أو عبر آليات التبنّي الرمزي التي تعترف بها الأعراف المحليّة. وهكذا أصبح اسم "الرواشد" يُشير في بعض الحالات إلى جماعة اجتماعيّة ذات جذور متعدّدة، يجمعها الولاء الروحي والاجتماعي لسيدي راشد أكثر ممّا يجمعها الدم الواحد.

إنطلاقا مما تقدّم يبدو جليّا أنّ المعطيات المتعلّقة بقرية بوبلال وبالولي سيدي راشد يغلّفها الكثير من الغموض، حيث تختلط فيها الوقائع التاريخيّة بالتمثلات الشعبيّة مما يجعل إمكانيّة بناء استنتاجات تاريخية دقيقة محدودة للغاية. غير أنّ ذلك لا يمنع من استخلاص جملة من الملاحظات نصوغها كالآتي:

         1. عرفت قرية بوبلال تعاقب موجتين استيطانيّتين على الأقل ولا نستبعد حدوث فراغ بشري بين هاتين الموجتين، ورغم صعوبة تحديد مدته بدقة في الظروف الراهنة، فإن ذلك قد يفسر بعض الثغرات المعرفية والغموض المحيط بتاريخ القرية المبكّر.

        2. تمثل شخصية سيدي راشد حجر الزاوية في الهوية المحليّة لسكان بوبلال الحاليين (الرواشد) وقد تمّ استبدال الهوية الجغرافية (بوبلال) بالهويّة الدينيّة (سيدي راشد) كعلامة هويّاتيّة جديدة يشكّل فيها الانتساب إلى الولي المؤسس مصدرًا للشرعيّة والاستمراريّة في المجال.

        3. وحصيلة التحليل يمكن ترجيح الفرضية القائلة إنّ سيدي راشد قد حلّ في مجال شبه خالٍ من السكان المستقرّين، بعد أن كانت قرية بوبلال قد شهدت موجة هجرة سابقة أدّت إلى فراغ عمراني نسبي. ويبدو أنّ حضور الوليّ قد مثّل نقطة انطلاق جديدة لإعادة تشكيل النواة السكانيّة حول شخصه وذريته، بما جعل الخلوة أو المقام يتحوّل تدريجيًا إلى مركز عمرانٍ واجتماعٍ جديد. كما يمكن أن نفترض أنّ جماعة الرواشد تَشكّلت من تزاوج عنصرين: الوافد المرتبط بنسل الوليّ من جهة، والمقيم المحلي في المجال الجبلي عموما الذي انصهر تدريجيًا في هذه الهويّة الجديدة من جهة أخرى. وهكذا تشكّلت قرية بوبلال الحديثة حول مقام الوليّ باعتباره مركزًا رمزيًا وماديًا في آنٍ واحد، وهو ما ساعد على استمرارية العمران في مجالٍ عرف فترات من الانقطاع والتحوّل.

خاتمة

يُبرز هذا البحث أنّ الظاهرة الولائيّة في المواقع الجبليّة لا يمكن اختزالها في البعد الديني فحسب، إذ أدّت دورا بنيويًا أساسيا في توجيه ديناميّات التوطين وإعادة تشكيل المجال خلال فترات تاريخيّة محدّدة. فقد عكس تحليل نموذجي خلوة سيدي بوهلال بالسند الجبل وسيدي راشد بقرية بوبلال أنّ الوليّ كان في كثير من الأحيان عنصرا محفِّزا لاستقرار الجماعات البشريّة، ووسيطًا رمزيًا أسهم في تثبيت حضورها في مجال جديد، ومنحها شرعيّة روحيّة واجتماعيّة مكّنتها من الاندماج أو إعادة ترتيب علاقاتها مع المجال ومع الجماعات الأخرى.

كما بيّنت الدراسة أنّ المواقع الجبلية، بما تتيحه من إمكانات الحماية والعزلة النسبيّة، مثلت فضاءً ملائمًا لتشكّل هذه المراكز الولائيّة، التي سرعان ما تحوّلت إلى نقاط جذب سكاني، وأسهمت في نشوء شبكات محليّة من الزوايا والمقامات ارتبطت بمسارات الهجرة وحركيّة التعمير. وفي هذا السياق، لم يكن اختيار مواقع الخلوات والزوايا اعتباطيًا، بل جاء مرتبطًا بعناصر طبيعيّة محدّدة، كالماء والمرتفعات والمسالك، ما يعكس تفاعلًا وثيقًا بين الديني والمجالي.

وتبرز النتائج المتوصّل إليها أيضا، أنّ فهم موجات التعمير في هذه المجالات يظلّ منقوصًا إذا اقتصر على المعطيات الديموغرافيّة أو الاقتصاديّة، دون إدماج البعد الرمزي والروحي الذي اضطلعت به الولاية. فالأولياء أدّوا دورًا مركزيًا في إعادة تنظيم الذاكرة الجماعيّة، وفي صياغة أشكال الانتماء المحلي، بما جعلهم فاعلين حقيقيين في التاريخ الاجتماعي والعمراني للمجال المدروس.

ومن ثمّ، فإنّ استيعاب ديناميّات الولاية والتوطّن في المواقع الجبليّة يقتضي مقاربة تاريخيّة–أنثروبولوجيّة تجمع بين المصنّفات التاريخيّة، والرواية الشفويّة، والمعطيات الأثريّة، ووثائق الأرشيف، باعتبارها أدوات متكاملة تسمح بإعادة تركيب مسارات التوطين وفهم منطق انتشار الظاهرة الولائيّة في المواقع الجبليّة. ويفتح هذا العمل، في الآن ذاته، آفاقًا لمزيد من الدراسات المقارنة التي من شأنها تعميق البحث في علاقة الولاية بتشكّل المجالات المحليّة في إفريقيّة وببلاد المغرب الإسلامي عمومًا.

الهوامش

1 أنظر حول جبل عرباط: مسطاري بوكثير، 2022، الماء والمجتمع بإفريقية خلال العصر الوسيط، مجمع الأطرش للكتاب المختصّ، تونس، ص 327-342. وراجع لنفس المؤلف كذلك: «جبل عرباط: «أنماط التوطّن البشري والتّعمير الفلاحي في مجال جبلي بالجنوب الغربي التونسي»، مقال قيد النشر (مجلة أفريقا)

2 إضافة إلى قرية السند الجبل يضم جبل عرباط قرية أولاد بوسعد وقرية بوعمران وهما القريتان اللّتان استمرّ فيهما التعمير إلى حد اليوم إضافة إلى السند الجبل. في المقابل تحولت عدّة مستقرات أخرى في هذا الجبل إلى مواقع أثرية. وتعدّ قرية السند الجبل إداريا اليوم عمادة تابعة لمعتمدية السند، وهي تبعد على مدينة السند مركز المعتمدية حوالي 10 كلم جنوبا وتضم عددا محدودا جدا من السكان. لمزيد التعمّق راجع: مسطاري بوكثير،2022، الماء والمجتمع بإفريقية خلال العصر الوسيط، م. س.، ص 349 وما يليها.

3 تطلق هذه التسمية على آثار البناءات التي تمتد على قمّة جبل الظهرة مباشرة فوق المغاور المحفورة في السفح الشرقي للجبل، وتشكّل هذه البناءات مايشبه الشريط الطولي الذي يتكوّن من عدد هام من الغرف الصغيرة المتلاصقة، وهي على ما يبدو انطلاقا من أحجامها وانتظامها المجالي وموقعها، تمثل الفضاءات المخصّصة للخزن وحفظ المؤونة وغيرها من المواد والأشياء التي تستوجب الحفظ والحماية. أمّ نسبة هذا الموقع إلى الناصرية فيعود إلى تمركزه مباشرة فوق المغاور المنسوبة إلى الناصرية الذين يشكّلون الفريق الثاني في سكان السند الجبل مع السندية. مسطاري بوكثير، 2022، م. ن.، ص. 361.

4 ابن ناجي، معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، تحقيق محمود المجدوب وعبد العزيز المجدوب، المكتبة العتيقة د. ت. تونس. ص 10، 20، 21، 26، 30، 46، 72. ابن أبي لحية القفصي، 1998، نور الأرماش في مناقب القشاش، تحقيق: لطفي عيسى وحسين بوجرّة، المكتبة العتيقة، تونس، ص 449-450. العياشي أبو سالم عبد الله بن محمد، الرحلة العياشيّة، 2006، جزآن، تحقيق: سعيد الفاضلي وسليمان القرشي، أبو ظبي، ج 2، ص 533.

5 ابن ناجي، ج 4، م. س.، ص 19 وما يليها.

6 م. ن.، ج 4، ص 42-43.

7 راجع حول هذه القلعة: ذاكر سيلة، 2013، المعمار والتعمير ببلاد الجريد من القرن 16 إلى القرن 19، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في علوم التراث، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، ص 299-300. ذاكر سيلة، "قلعة سدادة في العصر الوسيط: ملاحظات حول التوطّن وتهيئة المجال في وسط جبلي من بلاد قسطيلية"، مقال تحت النشر.

8 Le Bonnier, « Caïdat de Sened et de Mech », 1885 rectifié en 1890. Nomenclature et répartition des tribus de Tunisie, 1900, Imprimerie française et orientale E. Bertrand, p. 73.

9 Le Bonnier, op. cit., p. 8.

10 في إطار البحوث الميدانية التي أجريناها حول إشكالية التوطين بجبل عرباط والمناطق المحيطة به، قمنا بجمع عدد كبير من الروايات الشفوية المتعلّقة بأصول المجموعات السكانية واستقرارها في المجال الجبلي، وذلك من خلال مقابلات مباشرة مع عدد من الرواة من أصيلي قرية السند الجبل خاصّة. وقد ساهمت هذه المعطيات في تدعيم الفرضيات التاريخيّة الواردة في هذا العمل وفي أعمال سابقة، وفي ضبط بعض العناصر المرتبطة بتطوّر النسيج البشري والولائي في المنطقة.

11 عبّر ابن خلدون عن تذبذب العلاقة القائمة بين السلطة المركزية وبلاد الجريد بكل وضوح في قوله: " كان أمر هذا الجريد قد صار شورى بين رؤساء أمصاره فيما قبل دولة السلطان أبي بكر لاعتدال الدولة حينئذ بانقسامها كما مر. فلما استبد السلطان بالدعوة الحفصيّة وفرغ من الشواغل صرف إليهم نظره وأوطأهم عساكره. ثم نهض بنفسه فمحى أثر الشورى منها، وعقد لابنه أبي العباس كما قلناه. كما كان بعد مهلكه من اضطراب إفريقية وتغلب الأعراب على نواحيها ما كان منذ هزيمة السلطان أبي الحسن وبني مرين بالقيروان عاد أهل الشورى في الجريد إلى دينهم من التوثب على الأمر والإستبداد على السلطان". ابن خلدون، 2000، تاريخ ابن خلدون، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس: خليل شحادة، مراجعة: سهيل زكار، دار الفكر، بيروت – لبنان، الجزء السادس، ص 877.

12 ذاكر سيلة، 2013، المعمار والتعمير بالجريد، م. س.، ص 39.

13 ابن أبي لحية القفصي، 1998، نور الأرماش في مناقب القشاش، م. س.، ص 449-450. ذاكر سيلة، 2013، المعمار والتعمير ببلاد الجريد من القرن 16 إلى القرن 19، م. س.، ص 316-317.

14 مسطاري بوكثير، 2023، «بياضة – البلد نواة توطّن بجبل عرباطة خلال العصر الوسيط، دراسة حول النشأة والتطوّر». في من قبصة إلى قفصة: التاريخ والتراث والتنمية، فعاليات ندوة قفصة العلميّة الدوليّة الأولى من 4 إلى 6 ماي 2022، جمع النصوص وأعدّها للنشر: مسطاري بوكثير، تونس، 2023، ص. 67-102.

15 Moustari Boukthir, 2025, « El Ayaїcha (Sud-ouest tunisien) Du peuplement au dépeuplement : Étude historique et archéologique », in Hespéris tamuda, Vol. LX-Fascicule 1, p.125-171.

16 الوزير السرّاج، 1984، الحلل السندسية في الأخبار التونسية، تقديم وتحقيق: محمد الحبيب الهيلة، دار الغرب الإسلامي، بيروت – لبنان، ج 2، ص 349.

17 العياشي،2006 ، الرحلة العياشية، م. س.، ج2 ، ص .533

18 يمكن أن نشير في هذا الإطار كمثال على التضامن بين سكان المستقرات الجبلية البربرية، إلى استجابة بربر جبل عرباط لنداء الاستغاثة الذي أطلقه صاحب قلعة أم لافية بجل دمّر على اثر محاصرتها من طرف شرف الدّين قراقوش سنة 575 هـــ/ 1180 م. راجع: ابن شاهنشاه، مضمار الحقائق وسر الخلائق، 1401 ه، تحقيق: حسن حبشي، القاهرة، ص 55. مراد عرعار، 2015، «الموقعيّة بإفريقيّة خال القرن السادس هجري / الثاني عشر ميلاي حملة شرف الدين قراقوش المظفري نموذجا»، ضمن: الجبل والسهل في حوض المتوسط، أعمال الندوة العلميّة الدوليّة الرّابعة) القيروان 5، 6 و 7 ديسمبر 2011 (، نصوص جمعها وأعدها للنشر: جعفر بن نصر والنوري بوخشيم، تونس، ص 97.. الأكحل، ياسين، 2023 "عمارة القلاع جنوب شرق إفر يقية خلال الفترة الوسيطة المتأخرة: قلاع أم لافية نموذجا"، مقال منشور ضمن أوتوكتونيا 2، المهارات الأصليّة بالمغرب الكبير والمتوسط الغربي من العهد القديم إلى عصرنا الحالي: الأصالة والتحوّلات، أعمال الملتقى الدولي الثاني للمدرسة التونسية للتاريخ والأنتروبولوجيا 28-25 نوفمبر2021، الإشراف والمراجعة نبيل قلالة، بشير يزيدي، سميرة السهيلي، تونس، ص 109-130. مسطاري بوكثير، 2023،» بياضة – البلد نواة توطن بجبل عرباطة خلال العصر الوسيط»، م. س.، ص. 67-102.

19 مسطاري بوكثير، 2023، م. ن.

20 كلمة هنشير من المصطلحات المتداولة في اللهجة التونسية وتشير عادةً إلى المجالات الفلاحية الممتدة أوالمواقع القديمة أو الأراضي المهجورة التي تحتوي بقايا عمران سابق. وقد استُعملت الكلمة أيضًا في الخرائط والأدبيات الأثرية للدلالة على المواقع الأثرية. ويوضّح رينهارت دوزي في هذا الإطار أن لفظ هنشير هو الاسم الذي كان يطلق على الخرائب الرومانية في أفريقيا. رينهارت دوزي، 1979-2000، كتاب تكملة المعاجم العربية، وزارة الثقافة والإعلام، الجمهورية العراقية، الطبعة الأولى من 1979-2000، ج 11، ص 24. راجع كذلك:

Camps Gabriel et Camps-fabrer Henriette, « Henchir », Encyclopédie berbère [En ligne], 22 | 2000, document H39, mis en ligne le 01 juin 2011, consulté le 08 septembre 2025.
URL : http://journals.openedition.org/encyclopedieberbere/1714;
DOI :https://doi.org/10.4000/encyclopedieberbere.1714

21 تُشير الروايات الشفوية المتداولة في قرية بوبلال إلى ما يُعرف محليًا بـ"المندبة"، وهي حادثة موغلة في الذاكرة الجماعية تُروَى في سياق هجرة سكّان القرية القديمة. وتفيدنا بإنّ الأهالي عندما اضطرّوا إلى مغادرة موطنهم الأصلي توقّفوا عند موضع يُعرف اليوم باسم جنان المندبة، حيث أقاموا مشهدًا جماعيًا عبّروا فيه عن حزنهم لفراق الأرض والدار والأجداد، فارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب، ومن هنا جاء اسم المكان. وتُستعمل لفظة المندبة في اللهجة المحلية بمعنى البكاء الجماعي أو إقامة مأتم رمزيّ لفقدٍ كبير، سواء كان شخصًا أو موطنًا. وما تزال هذه الحادثة تُستحضر في الذاكرة الشعبية بوصفها لحظة تأسيسية في تاريخ القرية الجديد.

22 الدفتر الجبائي رقم واحد، الأرشيف الوطني، تونس، ص 168.

23 Le Bonnier, op.cit., p. 8.

24 الزركشي، 1998، تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية، تحقيق وتقديم: الحسين اليعقوبي، المكتبة العتيقة، تونس، ص 120. روبار برنشفيك، 1998، تاريخ إفريقية في العهد الحفصي، من القرن 13 إلى نهاية القرن 15 م، نقله إلى العربية: حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، بيروت – لبنان، الجزء الأول، ص 244.

25 الوزير السرّاج، 1984، الحلل السندسية، م. س.، ج 2، ص 349.

26 ورد في كتاب جامع كرامات الأولياء للنبهاني تعريف للكرامة، وهي "أمر خارق للعادة غير مقرون بالتحدّي، يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح، ملتزم لمتابعة نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح". كما وردت في نفس المؤلف معطيات هامّة حول أنواع الكرامات. النبهاني، 2001، جامع كرامات الأولياء، تحقيق ومراجعة: إبراهيم عطوة عوض، الجزء الأول، مركز أهل سنت بركات رضا، الهند، ص 27، 28، 48-52.

27 مسطاري بوكثير، 2023، «بياضة – البلد نواة توطّن بجبل عرباطة خلال العصر الوسيط، دراسة حول النشأة والتطوّر»، م. س.، ص. 67-102.

28 ذاكر سيلة، قلعة سدادة في العصر الوسيط، م. س.

29 Boukhchim Nouri et Sekmani Asma, « Toujane : modèle d’Organisation de l’Espace, paysages et architecture Vernaculaire dans un village perché à Djebel Matmata (Sud-Est de la Tunisie) », Al-Sabîl : Revue d'Histoire, d'Archéologie et d'architecture maghrébines [En ligne], n°15, année 2023.
URL : http://www.al-sabil.tn/?p= 4428

30 لمزيد التعمّق حول الحياة العلمية في قسنطينة خلال العهد العثماني راجع: أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، 1998، الجزء الأول 1500-1830، دار الغرب الإسلامي، بيروت – لبنان، ص. 78-134. الشيخ الحاج أحمد بن المبارك بن العطار، تاريخ بلد قسنطينة، 2011، تحقيق وتعليق: عبد الله حمادي، دار الفائز للطباعة والنشر والتوزيع، قسنطينة – الجزائر، مليكة ساسي وصليحة شلالي، الحياة الثقافية في قسنطينة خلال العهد العثماني، 2022، مذكرة ماجستير بحث، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، البويرة – الجزائر.
31 الضاوي خوالدية، "الهمامة في القرن التاسع عشر: ثورة أولاد عزيز من أيام أولاد عزيز 1870-1875"، الاتحاف، عدد 76، 1 فبراير 1997، ص 4-11. لنفس المؤلف كذلك، 1995، الهمامة أولاد بو يحيى في القرن التاسع عشر من خلال مكاتيب القياد، تونس.

32 شكر السيّد عياري راشدي، أصيل قرية بوبلال وأحد أحفاد الوليّ سيدي راشد، على تفضّله بمدّي بنسخة من هذه الوثيقة الأرشيفية القيّمة التي مكّنت من إثراء هذا البحث بمعطيات نادرة من الذاكرة العائلية المحليّة.

33 Nomenclature et répartition des tribus de Tunisie, 1900, Imprimerie française et orientale E. Bertrand, p. 73.

المصادر و المراجع

وثائق الأرشيف

الدفتر الجبائي رقم واحد، الأرشيف الوطني، تونس.

المصادر

ابن أبي لحية القفصي، 1998، نور الأرماش في مناقب القشاش، تحقيق: لطفي عيسى وحسين بوجرّة، المكتبة العتيقة، تونس.
ابن خلدون، 2000، تاريخ ابن خلدون، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس: خليل شحادة، مراجعة: سهيل زكار، دار الفكر، بيروت – لبنان.
ابن شاهنشاه، 1401هـ، مضمار الحقائق وسرّ الخلائق، تحقيق: حسن حبشي، القاهرة.
ابن ناجي، دون تاريخ، معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، تحقيق: محمود المجدوب وعبد العزيز المجدوب، المكتبة العتيقة، تونس.
الزركشي، 1998، تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية، تحقيق وتقديم: الحسين اليعقوبي، المكتبة العتيقة، تونس.
العياشي أبو سالم عبد الله بن محمد، 2006، الرحلة العياشيّة، جزآن، تحقيق: سعيد الفاضلي وسليمان القرشي، أبو ظبي.
النبهاني، 2001، جامع كرامات الأولياء، تحقيق ومراجعة: إبراهيم عطوة عوض، الجزء الأول، مركز أهل سنت بركات رضا، الهند.
الوزير السرّاج، 1984، الحلل السندسية في الأخبار التونسية، تقديم وتحقيق: محمد الحبيب الهيلة، دار الغرب الإسلامي، بيروت – لبنان.

المعاجم

رينهارت دوزي، 1979–2000، تكملة المعاجم العربية، وزارة الثقافة والإعلام، الجمهورية العراقية، الطبعة الأولى.

المراجع

الأكحل ياسين، 2023، «عمارة القلاع جنوب شرق إفريقية خلال الفترة الوسيطة المتأخرة: قلاع أم لافية نموذجًا»، أوتوكتونيا 2: المهارات الأصليّة بالمغرب الكبير والمتوسط الغربي من العهد القديم إلى عصرنا الحالي: الأصالة والتحوّلات، أعمال الملتقى الدولي الثاني للمدرسة التونسية للتاريخ والأنثروبولوجيا (25–28 نوفمبر 2021)، إشراف ومراجعة: نبيل قلالة، بشير يزيدي، سميرة السهيلي، تونس.
بوكثير مسطاري، 2022، الماء والمجتمع بإفريقية خلال العصر الوسيط، مجمع الأطرش للكتاب المختصّ، تونس.
بوكثير مسطاري، 2023، «بيّاضة – البلد: نواة توطّن بجبل عرباط خلال العصر الوسيط، دراسة حول النشأة والتطوّر»، من قبصة إلى قفصة: التاريخ والتراث والتنمية، أعمال ندوة قفصة العلميّة الدوليّة الأولى (4–6 ماي 2022)، جمع النصوص وأعدّها للنشر: مسطاري بوكثير، ص 67–102، تونس.
بوكثير مسطاري، دون تاريخ، «جبل عرباط: أنماط التوطّن البشري والتعمير الفلاحي في مجال جبلي بالجنوب الغربي التونسي»، مقال قيد النشر، مجلة فريقيا.
برنشفيك روبار، 1998، تاريخ إفريقية في العهد الحفصي (من القرن 13 إلى نهاية القرن 15م)، ترجمة: حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، بيروت.
خوالدية الضاوي، 1997، «الهمامة في القرن التاسع عشر: ثورة أولاد عزيز (1870–1875)»، الاتحاف، عدد 76، 1 فيفري، ص 4–11.
خوالدية الضاوي، 1995، الهمامة: أولاد بو يحيى في القرن التاسع عشر من خلال مكاتيب القيّاد، تونس.
ساسي مليكة؛ شلالي صليحة، 2022، الحياة الثقافية في قسنطينة خلال العهد العثماني، مذكرة ماجستير بحث، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، البويرة، الجزائر.
سعد الله أبو القاسم، 1998، تاريخ الجزائر الثقافي، الجزء الأوّل (1500–1830)، دار الغرب الإسلامي، بيروت.
سيلة ذاكر، 2013، المعمار والتعمير ببلاد الجريد من القرن 16 إلى القرن 19، أطروحة دكتوراه في علوم التراث، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس.
سيلة ذاكر، دون تاريخ، «قلعة سدادة في العصر الوسيط: ملاحظات حول التوطّن وتهيئة المجال في وسط جبلي من بلاد قسطيلية»، مقال قيد النشر.
عرعار مراد، 2015، «الموقعيّة بإفريقية خلال القرن السادس هجري/الثاني عشر ميلادي: حملة شرف الدين قراقوش المظفري نموذجًا»، الجبل والسهل في حوض المتوسط، أعمال الندوة العلميّة الدوليّة الرابعة (القيروان، 5–7 ديسمبر 2011)، نصوص جمعها وأعدّها للنشر: جعفر بن نصر، النوري بوخشيم، تونس.
العطار أحمد بن المبارك، 2011، تاريخ بلد قسنطينة، تحقيق وتعليق: عبد الله حمادي، دار الفائز للطباعة والنشر والتوزيع، قسنطينة، الجزائر.

LE BONNIER, 1885 (rectifié en 1890), « Caïdat de Sened et de Mech ».
Nomenclature et répartition des tribus de Tunisie, 1900, Imprimerie française et orientale E. Bertrand.
BOUKTHIR Mousṭari, 2025, « El Ayaїcha (Sud-ouest tunisien). Du peuplement au dépeuplement : étude historique et archéologique », in Hespéris-Tamuda, vol. LX, fascicule 1, pp. 125–171.
CAMPS Gabriel et CAMPS-FABRER Henriette, 2000, « Henchir », in Encyclopédie berbère, vol. 22, document H39, mis en ligne le 01 juin 2011, consulté le 08 septembre 2025.
BOUKHCHIM Nouri et SEKMANI Asma, 2023, « Toujane : modèle d’organisation de l’espace, paysages et architecture vernaculaire dans un village perché du Djebel Matmata (Sud-Est de la Tunisie) », in Al-Sabîl : Revue d’Histoire, d’Archéologie et d’Architecture maghrébines, n° 15, Année 2023.
URL : http://www.al-sabil.tn/?p=4428

الكاتب

مسطاري بوكثير

أستاذ مساعد للتعليم العالي بالمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والتربية بقفصة – جامعة قفصة

فهرس

إرشادات

نبذة عن مجلة السبيل

مقالات العدد

Retour en haut