Al Sabîl

2025 | 20

صيد المرجان بطبرقة وانعكاساته على المحيط المحلي خلال القرن التاسع عشر

صلاح البرهومي

الملخص

تميّزت سواحل طبرقة البحريّة بأهمّية ثروتها من المرجان، كما مكّن موقعها الجغرافي المحمي طبيعيا والمنعزل عن السكان المحليين من استقرار الجنويين طوال منذ منتصف القرن الخامس عشر بغرض الصيد والتجارة وفدية أسرى القراصنة. وانتهت سيطرتهم على الجزيرة سنة 1741 بعد بسط يونس بايلنفوذ البايليك عليها إثر تحطيم منشآتها. وخلال القرن التاسع عشر، تواصلت المنافسة الشّديدة بين فرنسا وانكلترا خاصة من أجل الفوز ب"لزمة" صيد المرجان، واستقر الأمر لصالح فرنسا إثر تمكّنها من احتلال الجزائر. وهكذا تواصل الاستغلال الأجنبي لثروة طبيعيّة تونسيّة نفيسة وثمينة بلغت تجارتها بلدانا مختلفة على غرار الهند وفرنسا وايطاليا وأقطار إفريقيا جنوب الصحراء. وباءت محاولات البايليك لتشغيل محليّين في صيد المرجان بالفشل نتيجة تصدّي الفرنسيين لها. ورغم احتكار الأوربيين لذلك النّشاط، فإن المحلّيين من السكّان المجاورين لجزيرة طبرقة، والبايليك قد استفادوا ولو بصفة محدودة منه.

الكلمات المفاتيح:

الشّعاب المرجانيّة، مستوطنة، تجارة المرجان، لزمة، مراكب الصيد، معاهدات.

Résumé

Le littoral de Tabarka s’est distingué par la prolifération des massifs de corail. Le site géographique de cette ile, bien protégé naturellement et se tenant à l’écart de la population locale, a été favorable à l’installation d’entreprises étrangères durant la période moderne. Ces entreprises s’adonnaient à différentes activités tels que la pêche, le commerce et le rachat des captifs détenus par les pirates. La domination des Génois a pris fin sur l’île de Tabarka en 1741 après que Younes Bey ait imposé le contrôle du beylik. Au XIXe siècle, on assiste à une rude concurrence entre les Français et les Anglais pour détenir le fermage de l’exploitation des coraux. Finalement ce privilège fut accaparé par les Français après avoir colonisé l’Algérie. L'exploitation étrangère des ressources naturelles de la Tunisie s'est poursuivie, ces ressources étant emportées à travers le monde. Le beylik, pour sa part, a échoué dans ses tentatives de faire bénéficier les Tunisiens de L'exploitation du corail. L’opposition des Français était farouche. Cependant, les autochtones installés aux confins de l’île de Tabarka ainsi que le beylik ont pu, toutefois, profiter des apports financiers de cette activité.

Mots-clés :​

Récifs coralliens, peuplement, commerce du corail, contrat, navires de pêche, traités.

Abstract

Tabarka’s coral wealth and remote location enabled foreign companies to establish themselves on the island throughout the modern era, and thus engaging in fishing, trade, and even ransoming pirates. Genoese control of the island ended in 1741 when Yunus Bey expanded the Beylik’s influence over it, after destroying its infrastructure. In the 19th century, France and England fiercely competed for coral fishing concessions, with France ultimately prevailing after occupying Algeria. This led to continued foreign exploitation of Tunisia’s valuable natural resource, with the coral trade reaching global markets. The Beylik's efforts to involve locals in coral fishing were thwarted by French opposition. Despite European monopolization of the industry, local populations near Tabarka Island and the Beylik benefited to some extent from the financial gains.

Keywords:

Coral reefs, settlement, coral trade, contract, fishing vessels, treaties.

المرجع لذكر المقال

إصلاح البرهومي، « صيد المرجان بطبرقة وانعكاساته على المحيط المحلي خلال القرن التاسع عشر »، السبيل : مجلة التّاريخ والآثاروالعمارة المغاربية [نسخة الكترونية]، عدد 20، سنة 2025.

URL : http://www.al-sabil.tn/?p=7908

تحميل المقال

نص المقال

المقدمة

لم تقع دراسة نشاط صيد المرجان بطبرقة خلال القرن التاسع عشر بالرغم من تعدد الدراسات المنجزة بخصوص هذا النشاط منذ الفترة الوسيطة إلى غاية القرن الثامن عشر. فخلال الفترة الوسيطة، أشار عدة مؤلفين إلى أهمية الشّعاب المرجانيّة التونسيّة ضمن عروضهم للأمصار والبلدان ووصفوها على غرار ابن حوقل (ابن حوقل، 1965) والإدريسي (الإدريسي، 1409 هجري/ 1988م)1 وأبو الفداء (ابو الفداء، دون تاريخ)، الذي تناول ذلك النشاط وأهميّته التجاريّة وكذلك الشأن بالنسبة إلى البكري2. ووصف ليون الإفريقي ذلك النشاط بدقة (ليون الإفريقي، 1399 هجري/1978م). وتعددت البحوث والدراسات المنجزة بخصوص هذا النشاط خلال الفترة الحديثة بين الفترة الممتدة من القرن الخامس عشر إلى غاية نهاية القرن الثامن عشر على غرار ما أنجزه الصادق بوبكر (Boubaker,2011,p231) وفيليب قوردان عن أنشطة الجنويّين في جزيرة طبرقة بالاعتماد على مجموعة من دفاتر العدول الخاصة بالشّركة المنتصبة هناك (Gourdin, 1990, p131 )، واوليفيي بخصوص مساهمة الشركات الفرنسية في نشاط صيد المرجان والتجارة على السواحل الشمال افريقية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر(Olivier, 2013). كما أنجز بول ماسّون بحثا ميدانيا تعلق بشركات صيد المرجان بسواحل إفريقية والمغرب الأوسط خلال الفترة الحديثة بالاعتماد أيضا على رصيد أرشيفي خاص بشركات الاستغلال على غرار دفاتر العدول والمراسلات المختلفة مع الجهات ذات الصّلة بمصالح الشركة. وركّز الباحث على دراسة تاريخ صيد المرجان بالقالة بالجزائر نظرا لغياب أرشيف يمكّنه بحسبه من دراسة شركات المرجان الفرنسية المنتصبة في تونس مثلما هو عليه الحال بالنسبة إلى الجزائر (Masson, 1903).

ونتيجة لذلك نروم تناول نشاط صيد المرجان في طبرقة بالبحث خلال القرن التاسع عشر لعلنا نوفق في سد هذا النقص الحاصل في بقية الفترة الحديثة، وتحقيق إضافة علمية تتصل بكشف جوانب هذا النشاط وخصائصه وما حف به من تنافس أجنبي. وقد تميز هذا القرن تونسيا بشدة الأزمة الاقتصادية التي انعكست سلبيا على الحياة الاجتماعية والسياسية. فرغم أهمية محاولات الإصلاح والتحديث المنجزة خلال تلك الفترة، فإن الأوضاع ازدادت سوءا وانتهت باستفحال التسرب الاقتصادي الأوربي، وبتزايد النفوذ الفرنسي في الايالة إثر احتلال الجزائر. أما محليا، فقد كانت طبرقة عبارة عن مستوطنة طوال الفترة الحديثة ثم تحوّلت إلى شبه مستعمرة تضم بضعة ألاف من النشيطين في مجال صيد المرجان.

أما عالميا فقد شهد النظام الرأسمالي خلال القرن التاسع عشر تطورا سريعا ما بين 1851 و1873 في كل من انجلترا وفرنسا إثر مرحلة صعوبات القرن الثامن عشر، والتطور البطيء خلال مرحلة 1815-1848. وكان من نتائج ذلك التحول أن استفحل استغلال قوة العمل، وسوء أوضاع العمال في المصانع والمناجم بالبلدين، وتسارع التوسع الاستعماري لهذين القوتين في أسيا وإفريقيا. كما اشتد التنافس بينهما3 من أجل الهيمنة على الاقتصاد التونسي عن طريق التسرب المالي والتأثير في القرار السياسي واستغلال الثروات الطبيعية على غرار المرجان الذي مثل ثروة ذات مردود مالي هام.

ولانجاز هذا البحث اعتمدنا على رصيد أرشيفي تمثل في بعض الدفاتر والمراسلات والمعاهدات. وخصّت تلك المصادر محاسبة وكلاء الدولة، وتسليم أذون صيد للبحارة ورياس المراكب وشروط الصيد والحقوق المرتبة عليها لمصالح البايليك. كما تناولت بعض المراسلات مواضيع متفرقة بخصوص شكاوى الصيادة، وردود فعل القناصل الأجانب وموظفي البايليك إزاءها، وتضمنت بعض المراسلات علاقة صيادي المرجان بالسكان المحليين. واستندنا أيضا على منجز بلانتي (Plantet, 1899) الذي اشتمل على مجموعة المراسلات بين بايات تونس وقناصل فرنسا مع البلاط الفرنسي، واحتوى بعضها تفاصيل تتعلق بالمعاهدات المبرمة بين البلدين، وحيثيّات محاولات فرنسا لاحتكار صيد المرجان في المياه البحريّة التونسيّة.

وارتكز هذا البحث منهجيا على منجز المدرسة الماركسية الكلاسيكية بخصوص تطور النظام الرأسمالي في فرنسا واستغلال البرجوازية للعمال4. ووقعت الاستنارة بتنظير"مدرسة التبعية اليسارية"5. وعوّلنا أيضا على منجز الأمريكي ريشارد كويزل6 والفرنسي بالماد بيار7 لبحث مسألة نفوذ الدولة الفرنسية المتزايد على الاقتصاد، والكشف عن علاقة عميقة للمال بالنفوذ السياسي طوال القرن التاسع عشر.

فما هي مميزات استغلال المرجان بطبرقة خلال القرن التاسع عشر؟، وما هي انعكاساته محليا وتونسيا؟

1. المرجان : من محور تنافس أجنبي إلى سيطرة فرنسية مطلقة

1.1. التنافس الأجنبي للسيطرة على المرجان التونسي

امتد هذا التنافس المتصل باستغلال المرجان بين القوى الأوربية طيلة الفترة الحديثة، ويتضح ذلك من خلال المعاهدات التي أبرمتها معها تونس منذ القرن السادس عشر بحسب المعاهدة التي أمضاها سلطان تونس الحسن الحفصي مع شارل الخامس8 الذي أتاحت له احتكار ثروة المرجان على السواحل التونسية وفق البند السادس من تلك المعاهدة. وتواصل ذلك التنافس إلى نهاية القرن الثامن عشر. واشتدت حدته بينها خلال الثلث الأول من القرن التاسع عشر. والبيّن من خلال تواصل عقد المعاهدات وتعددها مع الشركات الايطالية والأسبانية (Boubaker,2013, p39) والفرنسية، أن حدة تلك المنافسة اتصلت بأهمية المرجان في التجارة الدولية والمحلية، وبأهمية السواحل التونسية الإستراتيجية بصفة عامة ضمن سياسات تلك القوى البحرية9. ووفق محتوى بعض مراسلات قناصل فرنسا بتونس إلى البلاط الفرنسي، فقد عبر ذلك البلاط عن استيائه من حدّة تلك المنافسة10 (Plantet,1893, T.II). وبحسب وثائق الأرشيف الوطني التونسي فقد اشتدت المنافسة أساسا بين فرنسا وانجلترا وسردانيا ونابولي خاصة خلال الربع الأول من القرن التاسع عشر من أجل السيطرة على نشاط صيد المرجان11. ووفق بعض وثائق الأرشيف التونسي12، فقد تمكنت فرنسا منذ نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر من احتكار صيد المرجان في كامل سواحل تونس إثر عقد اتفاقية24 جوان 1781، وهي الفترة التي شهدت بداية تطور الرأسمالية الفرنسية وتشكل رأسماليين فرنسيين13. وقد استفادت فرنسا من معاهداتها المبرمة سابقا مع الباب العالي لفرض معاهدات جديدة على تونس، وأثبتت دبلوماسيتها قدرتها على فرض مصالحها قصد استغلال الثروات المحلية في تونس على حساب الايطاليين والأسبان أولا ثم على حساب الانكليز ثانيا. وقد ضمنت الاتفاقية المبرمة مع الشركة الملكية الإفريقية الفرنسية التمتع الكلي بامتياز احتكار صيد المرجان لمدة ست سنوات مقابل مبلغ مالي محدّد مسبقا، وهي اتفاقية قابلة للتجديد لذات المدة مرة ثانية14. وبموجبها فرض على الطّرف التونسي أن يرخّص لمصالح الشركة إقامة مراكز أو محطّات على السواحل التونسيّة لتشييد مخازن ومنازل مقابل مبالغ ماليّة تدفعها لمصالح البايليك15. إنّه أمر بالغ الأهمية باعتباره شكل من أشكال الاستيطان والتعمير الفرنسي على السواحل التونسية. وتضمنت الاتفاقيّة أيضا امتيازات قضائيّة للشّركة حال خلافاتها مع الأهالي قصد حماية منظوريها. وتم تجديد ذات الاتفاقيّة بين الباي والشركة سنة 1790 دون تغيير لبنودها، وأصبحت قابلة للتجديد كل ثلاث سنوات16. وإثر الثورة الفرنسية، وبالتحديد سنة 1796 عوّضت الشركة الملكيّة الإفريقيّة ب"الوكالة الإفريقيّة" لصيد المرجان والتجارة رغم أن فرنسا "الثورية" دانت كل الاحتكارات بأنواعها، واستثنت تلك الشركة باعتبارها مؤسسة سياسية أكثر منها تجارية، فضلا على كونها امتيازا ممنوحا من باي تونس لفرنسا. وهكذا أصبح بذلك استغلال المرجان تحت رعاية الدولة الفرنسية بصفة مباشرة عن طريق إشراف موظّفين للشّركة. وعيّنت فرنسا نائبا لقنصلها في تونس في طبرقة لمعاينة نشاط الشّركة ولمرافقة موظفيها. ويتضح أن نشاط استغلال المرجان أصبح نشاط دولة لها القدرة على حمايته بوسائل مختلفة، وهي سمة أثبتت العلاقة المتينة بين الدولة والنموذج الرأسمالي الفرنسي المتصل بتمويل استغلال المرجان خلال تلك الفترة17.

واشتد التنافس بين القوى الأوربية خلال الثلث الأول من القرن التاسع عشر وخاصة بين الايطاليين والانجليز والفرنسيين. وخلال حرب نابليون على مصر، أعلن العثمانيون حربهم على الشركة الفرنسية "الوكالة الإفريقية" المنتصبة في طبرقة، وتبعهم باي تونس الذي استولى على ممتلكاتها، وعاد نشاط تلك الشركة سنة 1801 18. وعمل الإنجليز خلال العشرية الأولى من القرن التاسع عشر على الحد من نشاط الشركة عن طريق تشجيع قراصنتها على مهاجمة قوارب صيد المرجان الأمر الذي دفع بباي تونس إلى تهديد هؤلاء القراصنة19. وفي إطار المنافسة بين الإنجليز والفرنسيين، عاد الإنجليز من جديد للتفاوض مع السلطات التونسية بخصوص صيد المرجان بطبرقة، دون الانتهاء إلى إبرام اتفاقية. وخلال سنة 1819 حاول قنصل نابولي الفوز بأحقية صيد المرجان في مياه تونس ولكن محاولاته باءت بالفشل نظرا لضعف وسائل فرض الشروط سياسيا وعسكريا مقارنة بإمكانيات فرنسا مثلا. وكانت فرنسا قد تمكنت خلال بداية القرن التاسع عشر من فرض شروطها على البايليك على غرار موافقتها المسبقة على كل معاهدة تبرمها تونس مع أي طرف أجنبي بخصوص صيد المرجان. واتضحت هذه الشروط من خلال معاهدة أبرمتها تونس مثلا مع سردانيا سنة 1816، واتصل الشرط السابع من المعاهدة بحق فرنسا الكامل في رفضها أو قبولها أو تحفظها على بعض بنودها20. وهكذا أضحت فرنسا معنية مباشرة بكل معاهدة تتناقض مع مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية في تونس بخصوص صيد المرجان. وخلال نهاية الربع الأول من القرن التاسع عشر، تمكّنت شركة انجليزية من الفوز بحقوق استغلال صيد المرجان بطبرقة على حساب القوى الأخرى حسب اتفاقية أبرمت مع تونس سنة 1824 21 ضاعفت بموجبها إنجلترا مبلغ التزام صيد المرجان في المياه التونسية لتبلغ حدود خمسين ألف ريال تونسي، ومائة رطل من المرجان ممّا دفع بالمفاوضين الايطاليين والفرنسيين للانسحاب من المناقصة. وتتنزّل محاولة إنجلترا تلك ضمن المنافسة بينها وبين فرنسا في المتوسط الغربي من أجل السّيطرة على المضايق المائيّة، وحرص إنجلترا على ضمان أمن جزيرة مالطة الضروري بدوره للمحافظة على مضيق جبل طارق الاستراتيجي أكثر منها استثمار لشركة "الجوهر والمرجان" المنتصبة بلندن22. وكان الباي قد رفض المبالغ التي اقترحتها فرنسا سنة 1824، وهي السنة التي انهار فيها دخل القرصنة بعد منعها من القوى الأوربية. وحاولت إنجلترا بتلك الصفقة مواصلة الجهد لإفشال إستراتيجية فرنسا البحرية في المتوسط، ونصّبت أول قنصل لها في تونس سنة 1823 23. وأيا كانت الأسباب المعلنة والخفية للإمبراطورية الانكليزية لأطماعها في السواحل التونسية، فقد برهن ذلك أيضا على عمق الروابط بين إستراتيجية الدول العسكرية والاستثمار الرأسمالي الموجه إلى الخارج. وإثر غزوها للجزائر، عادت فرنسا من جديد لفرض مطالبها على تونس بخصوص صيد المرجان عن طريق فرض معاهدة سنة 1830. وتأكّد سعي بايليك تونس ووزراءه لإرضاء المفاوضين الفرنسيين بخصوص مطالبهم التجارية. وقد أمضت تونس تلك المعاهدة يوم 10 أوت 1830 في باردو24، واشتمل بندها الخامس الذي أمضي نهائيا يوم 24/10/ 1832 على تمتع فرنسا بحريّة صيد المرجان بين كاف نيقرو وطبرقة من دون دفع أي إتاوات الأمر الذي أغضب سلطات سردانيا وانجلترا. وهكذا أصبح صيد المرجان احتكارا مطلقا للفرنسيين. وأضحى ابن قنصل فرنسا يحضر إلى طبرقة لتنظيم صيد المرجان(Rousseau,1964,622) ، وهو واقع شكّل تحوّلا جذريا في الوضع القانوني لهذا النشاط. وبحسب المراسلات التي نشرها بلانتي، فإنّ فرنسا تمكنت آنذاك من تحديد أهداف سياستها البحرية بعد فشل حملات نابليون العسكرية على مصر، وحسمت أمرها المتعلق بالسيطرة على السواحل التونسية25. ووفق ما تضمنه الدفتر عدد 2847 بالأرشيف الوطني التونسي26، فقد تمكّنت فرنسا من وضع حدّ للخلاف الحاصل منذ 1824 مع بايليك تونس بخصوص الحدود البحرية مع إيّالة الجزائر. ولم يتمكّن محمد الصادق باي الذي تولّى الحكم سنة 1859 من فرض شروط جديدة على فرنسا أو حتّى من مراجعة بعض الشروط السابقة لامتياز صيد المرجان بالرغم من مساندة قنصل إنجلترا وتشجيعه على ذلك، في وقت كانت تونس قد دخلت خلال سنتي 1959-1960 تحت النفوذ الفرنسي. ووفق الشروط الواردة في معاهدة 1830، فقد أصبح نشاط جيش تونس مقيّدا في طبرقة وجوارها من حيث العدد ومواضع العسكرة، ولم تعد من مهامه مراقبة نشاط مراكب الصيد التي كانت تجوب كامل السواحل الشمالية للايالة التونسية. ونتبيّن من خلال ذلك أن إيّالة تونس قد فقدت على إثر هذه الإجراءات حقوق استغلال ثروتها المرجانية لصالح فرنسا منذ 1830، وتأكّد خضوع البايليك للأوامر الفرنسية وتدابير شركاتها27. وهكذا لاحت العلاقة المتينة بين القوة العسكرية، والضغط الدبلوماسي وتحقيق الأهداف الاستعمارية الاقتصادية الفرنسية، والاستغلال الرأسمالي الفرنسي في تونس، وهو ما يثبت تمكن البرجوازية الفرنسية من السلطة السياسية والنفوذ العسكري خلال القرن التاسع عشر. وكانت فرنسا قد عزمت بعد احتلالها للجزائر على احتلال البلاد التونسية متوخية سياسة خارجية ظاهرها "مساعي حميدة" وباطنها "احتلال البلاد" مدركة في الآن ذاته أن اشتداد التنافس الدولي يمكنه تأخير احتلال تونس (P. H. X, 1891, 2).

ونتيجة لسيطرة فرنسا على نشاط صيد المرجان بسواحل تونس والجزائر خلال القرن التاسع عشر، سيطر الحرفيون الفرنسيون بمرسيليا كذلك على صناعة المرجان منافسين بذلك الإيطاليين عبر توظيف ضرائب منخفضة على تلك الصناعة. ونافست بذلك ورشات مرسيليا ورشات "القورنة" ونابولي بخصوص جودة المنتوج وتنوّعه، رغم تجربة الحرفيين الايطاليين، ومهارتهم في صقل المرجان وصناعة الجواهر المختلفة، فضلا على تدني أجورهم .ونتبين من خلال هذه السياسة مدى عمق العلاقة بين السلطة السياسية الفرنسية ورأس المال في نشاط تصنيع المرجان، وبين الدولة الفرنسية والأنشطة الاقتصادية، وهي ميزة للرأسمالية الفرنسية خلال ذلك القرن (cameron, 1961).

واحتكر الفرنسيون كذلك تجارة المرجان المستخرج من المياه التونسية، وهي تجارة "دولية" مربحة (Trivellato, 1916). ووفق بعض الدفاتر28 على غرار الدفتر عدد 400، يمكننا ضبط كميات المرجان المستخرجة بحساب عدد المراكب ومعدل عدد البحارة بكل مركب، وكمية المرجان المستخرجة يوميا لكل مركب29. وهكذا يمكن ضبط حجم كمية المرجان في حدود 144 ألف كلغ بقيمة مالية تقدر بحوالي خمسة عشر مليون فرنك بحساب المصاريف. وبحسب الترتيب المعمول به في الموانئ حال استخراج المرجان، فإن الموظفين الفرنسيين باعتبارهم الممولين لنشاط الصيد يشرفون مباشرة على وزن كميات المرجان المستخرجة وخزنها، ويسلمونها إلى قنصل فرنسا بطبرقة ليقع شحنها فيما بعد من ميناء طبرقة أو بنزرت نحو موانئ ايطاليا وفرنسا. وتمكّن الفرنسيون من منافسة التجار الإيطاليين من جنوة والقورنة، واحتكروا تجارة المرجان ومسالك توزيعه في اتجاه الهند والصين وإفريقيا جنوب الصحراء وإفريقيا الوسطى وأوربا. وكانت تلك التجارة دولية منظّمة وفق طرق ومسالك بريّة وبحريّة يديرها عدد من التجّار ذوي المكانة والنّفوذ.

حافظ الفرنسيون على مسالك التوزيع التقليدية لتجارة المرجان خاصة ضمن فترة تطور الرأسمالية الفرنسية التي امتدت منذ 1848 إلى غاية 1873 الموافق لبداية مرحلة الركود المرتبطة بتكدس رؤوس الأموال والبضائع وعجز الأسواق الفرنسية على استيعابها) المحجوبي علي 1986، 28(. ويمكن أن نميز بصفة عامة بين مسلك محلي بري في تونس وآخر أوربي بحري. ويتفرع عن المسلك المحلي، مسلكا فرعيا في اتجاه أسواق تونس الداخلية لصالح الحرفيين والتجار، ويعدّ المسلك الثاني رئيسيا وأكثر أهمية وهو الذي يتوجه إلى إفريقيا جنوب الصحراء عبر القوافل التجارية الصحراوية. وبحسب البحث الميداني لبول ماسون، تخصص مئات من "الأرطال الانجليزية"30 من المرجان لهذا المسلك، وهي كمّية نعتقد في ارتفاع مكسبها المالي حال المتاجرة فيها أو تصنيعها(Masson,1908,P117) . وهناك مسلك رئيسي بحري في اتجاه أوربا وتحديدا فرنسا وايطاليا حيث تتم عملية تصنيع المرجان، ثم توزيعه عبر مختلف بلدان العالم. ويحضر تجار من الإيطاليين والتونسيين نهاية كل موسم إلى ميناءي طبرقة وبنزرت لشراء كميات قليلة من المرجان، فيما يستأثر كبار التجار من الفرنسيين المستقرين في الميناء بشراء المرجان وشحنه بأسعار بلغت ما بين خمس وأربعين وسبعين فرنكا للكيلوغرام الواحد، وتباع الأغصان الكبيرة بسعر يتراوح ما بين أربعمائة وخمسمائة فرنك للكيلوغرام (Masson,1908, P119) .

ونظرا لغياب تفاصيل بخصوص مسالك التوزيع العالمية الأخرى للمرجان المستخرج من المياه التونسية بالأرشيف التونسي الذي اطلعنا عليه، فقد عوّلنا على مجموعة من البحوث والدراسات المنجزة لبيانها. وبحسب تلك الدراسات فإن الشركة الفرنسية تصدّر المرجان الشمال إفريقي المصنع إلى إفريقيا (Ferhat, 1993, p141) عن طريق مسلك بحري انطلاقا من ميناء مرسيليا، وتوجه كميات أخرى عبر طرق بحرية تصل إلى القارة الأمريكية، والهند، والصين. كما يعاد وسق المرجان من بعض الموانئ المتوسطية في مصر وبلاد الشام، ثم عبر البحر الأحمر والخليج الفارسي في اتجاه آسيا، أو عن طريق قوافل التجارة البريّة التي تمر عبر اليمن (Piccinno, 2021) ويتولّى بعض الوسطاء من التجار اليهود الأثرياء الإشراف على هذه التجارة إلى درجة الاحتكار في بعض الحالات خاصّة تلك الموجّهة إلى البلدان الآسيوية على غرار الهند وإيران والصين (Olivier, 1978, p343).

تواصلت هيمنة الفرنسيين على نشاط صيد المرجان في تونس طوال القرن التاسع عشر وتجارته بالرغم من تراجع تلك التجارة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أوربا بسبب تغيّر أذواق الأوربيين وعاداتهم وتقاليدهم، ونزوعهم لاستعمال الذهب والفضة، والجواهر للزينة خلال المناسبات. ومقابل تراجع أهمية المسلك التجاري بأوربا ودواخلها، تدعم المسلك الذي يصل إلى الصين والهند وباكستان والولايات المتحدة. وترتبط تلك الأهمية بمكانة المرجان وجواهره لدى تلك الشعوب (Buti,2018,p109)، وتتصل أساسا بمعتقداتهم وطقوسهم الدينية والطبية وبمدركاتهم للثروة المادية.

تمكن الفرنسيون من احتكار نشاط صيد المرجان بطبرقة وتجارته وتصنيعه، وأخضع الرأسماليون ذلك النشاط إلى مبادئ استغلال رأسمالية على غرار شراء قوة العمل الايطالية أساسا والفرنسية والمحلية، وأخضعوها إلى شروط عمل مجحفة وغاية في الاستغلال تحت حماية القوة السياسية الفرنسية ورعايتها من أجل تحقيق أرباح مالية.

2.1. أهمية استغلال قوة العمل الايطالية وتقنياتها ووسائلها

يمكن أن نلاحظ خاصية ثانية لنشاط صيد المرجان بتونس تتصل بتقسيم دولي للعمل إذ كانت الثروة الطبيعية تونسية، ورأس المال المستثمر فرنسي، أما قوة العمل الأساسية فهي إيطالية، في حين كانت قوة العمل التونسية فهي مهمشة وبائسة. وعملت الرأسمالية الفرنسية على شراء قوّة العمل البشري أيا كان مصدرها، وعوّلت على وساطة رؤوس أموال إيطالية محدودة لتمويل وسائل الإنتاج على غرار توفير المراكب وتجهيزاتها، واستغلال العمال، مقابل تقاسم الأرباح مع الفرنسيين. وشكل حضور الإيطاليين مستوى ثان من الاستثمار تحت إشراف فرنسي مباشر، وبموافقة مملكة تونس الإدارية عن طريق معاهدات ثنائية مع عدة ممالك ايطالية بحسب ما ورد ضمن تقييد شروط صيد المرجان31. ونستخلص من خلال هذه التجربة الاستثمارية أن الرأسمالية الفرنسية في قطاع صيد المرجان خلال بداية القرن التاسع عشر ظلت محافظة، ومتأثرة بتقاليد ارستقراطية، وبتدخل الدولة في التمويل والإشراف. كما اتضح أن البلدان الأوربية يمكن أن تتفق إلى حد ما لتشترك في استغلال ثروة بلد أجنبي. وينحدر أغلب البحارة من مدن ايطالية وفرنسية بحسب ما اتضح من خلال دفاتر محاسبة الوكلاء، ودفاتر الشّروط المحررة لصيادة المرجان المتوفّرة بالأرشيف الوطني التونسي، وتعدّد أذون أو "بصبرتات" صيد المرجان التي سلّمها وكيل البايليك لصيّادين للمرجان بطبرقة عن طريق بعض قناصلهم بتونس وقنصل فرنسا32. ومن أهم المدن الموفرة لليد العاملة التي تكرّر ذكرها ضمن الدفاتر نجد صقلية وجنوه وقرنة وسردانيا ونابولي وكتالونيا واسبانيا وفرنسا33. ويفسر ارتفاع عدد البحارة الايطاليين دون سواهم بصعوبة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مدنهم الأمر الذي دفعهم إلى القبول بأجور ضعيفة مقارنة مع المرسليين مقابل ظروف عمل صعبة ومضنية طوال مواسم الصيد. كما تميز البحّارة وريّاس المراكب الايطاليين خلال القرن التاسع عشر بخبرتهم في الملاحة وصيد المرجان فضلا على تحمّلهم لعواقب مخاطر القرصنة والعواصف، ولهجمات المحلّيين على محطّات صيد المرجان.

ومن خلال دفاتر بيان دخل الدولة34 ومحاسبة الوكلاء التي أوردت أذون صيد المرجان وأسماء الصيادين ورياس المراكب، يمكننا ضبط أعداد البحارة خلال النصف الأول من القرن التاسع، وهي الفترة التاريخية الأساسية التي خصّتها تلك المصادر. فمثلا بلغ عدد الصيّادين بحسب الأذون حوالي مائة وثلاثة عشر خلال سنة 1235 هجري الموافق 1819-1820 ميلادي، وعدد رياس المراكب حوالي ست وثلاثين من ّالسردانيين"، وأربع وعشرين من "القرنيين"، وأربع وأربعين "نابوليطيا"35. ويتضح أن عدد المراكب قد ارتفع من ثلاثمائة مركب إلى أربعمائة خلال الربع الأول من القرن التاسع عشر، ثم انخفض ليبلغ حوالي مائة خلال السنوات الموالية36. ونتبين أن عدد مراكب الصيد يختلف من سنة إلى أخرى حتى أن عدد مراكب صيد على ملك السردانيين قد بلغ ستين سنة 1239هجري/ 1824م37. ومن خلال تواريخ تسليم الأذون يتضح أنها كانت تسلم لطالبيها من المتعاقدين مع البايليك كلما طلبوا ذلك وعلى مدار السنة خاصة وأن بعض المراكب تواصل الصيد خلال فصل الشتاء، بينما يخير معظم الصيادين النشاط خلال أشهر فصل الصيف ويؤدون مطالب ثلاثة أشهر فقط. تظهر قائمات أسماء الرياس والبحارة الطبيعة العائلية لهذا النشاط في صفوف الايطاليين حيث يشارك أفراد مجتمعين من العائلة المصغرة أو الموسعة في الصيد، ويستفيدون من مزايا الحياة الجماعية والعائلية بعيدا عن الديار، والسكن الجماعي في مساكن ضيّقة ومحدودة المساحة لمدة زمنية تمتد من ثلاثة أشهر إلى سنة كاملة بحسب أذون الصيد38. كما يسكن الأشد فقرا منهم في مراكب الصيد الصغيرة الحجم. نستنتج من خلال سعي البايليك إلى ضبط نشاط صيد المرجان بطبرقة خلال الربع الأول من القرن التاسع عشر محاولته فرض سيادته على المياه البحرية عبر طلب استظهار المراكب والصيادين بتذاكر الصّيد. واتّخذ هذا الإجراء بحسب تفاصيل الشروط39 التي اتفق بخصوصها البايليك مع قناصل الدول على إثر تعدّد شكاوى تعدّي مراكب قادمة من القالة، وعنابة للصيد بجوار طبرقة40.

واتضح من خلال البحوث التي أجراها بول ماسون (Masson , 1908, 35) حول نشاط صيد المرجان في سواحل الجزائر وتونس خلال القرن التاسع عشر سوء أوضاع البحارة، وخضوعهم للاستغلال الأقصى. فالبحارة الايطاليون يقضون على مراكب الصيد حوالي ثمانيي عشرة ساعة يوميّا بين مهام الصّيد وإصلاح الشّباك والحبال وتنظيف المرجان متحملين ظروف طبيعية قاسية مقابل أجر شهري بلغ خمسين فرنكا للصياد الواحد، فضلا على حصوله على الماء والبسكويت وبعض "المعكرونة" والبصل بحسب دراسة ميدانية أجريت بالقالة بالجزائر سنة 1860 (De lacaze-duthiers, 1864). وتعكس هذه الظروف مدى فظاعة الاستغلال الرأسمالي لليد العاملة قصد الزيادة لفائض القيمة المطلق عبر إطالة يوم العمل. واستنادا الى البحث المذكور دائما، فإن أجر بحار بسفينة شحن يبلغ 70 فرنكا إضافة إلى تمتعه بامتيازات عديدة وساعات عمل أقل. واستقدمت شركات استغلال المرجان بطبرقة عديد العمال الآخرين للعمل في المحطة والذين بلغ عددهم حوالي مائتين وسبع وعشرين (227 ) عاملا أغلبهم من الايطاليين والمرسيليين.

نستنتج من خلال شروط صيد المرجان المتوفرة بعدة وثائق من الأرشيف الوطني41 المبرمة مع قناصل عدة دول وبموافقة فرنسا أن هناك حاجة لتشييد عدة مرافق بطبرقة حتى تلبي مطالب كبار الموظفين الفرنسيين والدبلوماسيين من حيث المكاتب والسكن والتجهيزات، وهي مرافق مريحة تثبت التفاوت الاجتماعي بين هذه الفئة وفئة العمال الذين يسكنون جماعيا في مساكن ضيقة جدا. ومن تلك المرافق أيضا نذكر المخازن والأفران فضلا على المرافق الضرورية لخزن المياه وتوفير المواد الغذائية ومستشفى وأماكن عبادة. وحدد البايليك المبالغ المالية التي يتوجّب على هؤلاء العمال دفعها مقابل كراء تلك المرافق. كما شيدت شركات استغلال المرجان بدورها عدة مرافق خاصة لموظفيها الذين مثلوا الفئة المحظوظة من حيث الأجور والامتيازات. ودعم الحضور المكثف للعمال الأجانب منحى استقلال المحطة واكتفائها بإمكاناتها في حياتها اليومية وأنشطتها، وهي بذلك قريبة جدا من مجتمع محطّة تجاريّة أو مستوطنة (Planel, 2015).

نستخلص من خلال ما ورد في بعض دفاتر الأرشيف الوطني42 أن وسائل الإنتاج وتجهيزات صيد المرجان بطبرقة تم جلبها أيضا من المدن الإيطالية والفرنسية على غرار مراكب الصيد والحبال والشباك وحتى بعض المواد الغذائية. ويبرهن هذا المعطى مدى ما بلغته الأوساط المالية الرأسمالية الفرنسية من تحكم في نشاط صيد المرجانعن طريق احتكار صناعة وسائل الإنتاج، وحجب تقنياتها عن المحليين، وعن طريق مبادلات غير متكافئة مع تونس الأمر الذي دعم علاقة "تبعية" الايالة التونسية اقتصاديا لفرنسا43. وإلى جانب الاستغلال المجحف للشركات للصيادين وللعمال، فقد فرض عليهم البايليك بدوره ضرائب على مختلف تجهيزاتهم ومؤنهم خلال القرن التاسع عشر. لقد أرغم الصيادون حال تزودهم بالبشماط من طبرقة أن يكون ذلك من وكيل للدولة وأن يؤدي سراحه تسع ريالات على القنطار. كما يؤدي "بارك" )قارب( صيادة المرجان النبلطان مثلا مائتين وخمس وعشرون ريال، ويشترط أن يأتي به الممول من بلاده، وهذا دليل قطعي على أن تلك التجهيزات يتم صناعتها في المدن الايطالية والأوربية وفق مقاسات وأحجام مختلفة، الأمر الذي أكد التطور التقني (Duthiers,1864, p241) للدول الرأسمالية في مجال الصناعات البحرية44. ويجلب المموّلون لصيد المرجان الشباك والحبال والمسامير وآلة الصّيد في الأعماق45 من المدن الإيطالية ما جعلهم ينغلقون على أنفسهم ولا يتعاملون مع المحلّيين (Boubaker, 2011, p231). والى جانب الصيادين، تستغل الشركة عددا من الموظفين الذين استقرّوا بطبرقة، وتحدد مهامّهم وأجورهم. كما تشغّل أيضا خدما، وعمّالا، ومهنيين آخرين في مختلف الاختصاصات مثل البنّائين، والحدّادين، وعملة يوميّين، وسائقي عربات، وبحّارة فرقاطات (Duthiers,1864, p245) .

ويفسر احتكار كبار الممولين لنشاط صيد المرجان بطبرقة بارتفاع التكاليف المالية لتجهيز مركب صيد للمرجان التي بلغت حوالي أربعة ألاف وخمسمائة وتسعة أربعين فرنكا بحسب إحدى البحوث الميدانية (Duthiers, 1864, p317) التي أجريت خلال منتصف القرن التاسع عشر. ولا يمكن أن يوفّر هذا المبلغ إلا أصحاب رؤوس الأموال، سواء في شكل شركات مساهمة أو رأسمال فردي. ويخصّص مبلغ ألفين وخمسمائة من المبلغ المستثمر لأدوات الإنتاج المتمثلة في قارب الصيد، وتجهيزه بالأشرعة، وقطع الأخشاب، والحبال والشّباك. وتضاف إلى تلك المبالغ تكاليف قوة العمل على غرار أجور الطاقم، والمواد الغذائيّة للبحّارة. فتكون مصاريف تجهيز مركب حوالي خمسة عشر ألفا وثلاثة وثمانين فرنكا للسنة الأولى فحسب. وهكذا يتضح بما لا يدع للشك أن العمال يخضعون للاستغلال من ثلاثة أطراف تمثلت على التوالي في رأس المال الفرنسي وهو الطرف الأقوى، وممولين فرنسيين وإيطاليين لمراكب الصيد وهم الطرف الثاني، والبايليك وهو الطرف الثالث، وبذلك يعتبر مثال الاستثمار هذا مثالا لنموذج استغلال فريد من حيث علاقة هذه الأطراف ببعضها. ويستأثر الطرفان الأول والثاني بنسبة عالية من مجموع مردود مركب لصيد المرجان الذي بلغ ما بين ثلاثة عشر ألفا وأربعة وثلاثين ألف فرنك، ويكون المعدّل ما بين اثنين وعشرين وأربع وعشرين ألف فرنك، بينما يبلغ معدل الربح ما بين سبعة وتسعة آلاف فرنك للمركب الواحد (Duthiers ,1864, p323).

2. انعكاسات نشاط صيد المرجان محليا

1.2. العائدات المالية

إن نتائج الاستغلال الرأسمالي في أقطار المغرب العربي كانت كارثيّة في مجملها على العمال المحليين وعلى الدول باعتبارها ركزت على ضمان ربحها بقطع النظر عن مصالح تلك الأطراف. ومثلت اليد العاملة التونسية فئة مهمشة، وخضعت لاستغلال يفوق استغلال الصيادة الإيطاليين، وتقبع في أسفل سلم الأجور ممثلة بذلك ميزة أخرى للاستغلال الرأسمالي لقطاع صيد المرجان بطبرقة. وقد أجّرت الشركات المنتصبة بطبرقة مجموعة من المحليّين لحماية الجزيرة والميناء من غارات عروش أولاد عمر وماكنة المجاورة والقراصنة مقابل رواتب شهرية ضعيفة. ولتوفير اللحوم للبحارة تولّى البعض الآخر مهاما خطرة خارج المخازن كرعي القطعان وقطع الخشب ونقله. وعندما تنتشر الأوبئة تنخفض أجور المحليّين أكثر فأكثر حيث تصل إلى بعض الفرنكات يوميّا، وتوكل لهم مهام إفراغ السّفن من حمولتها دون التقيّد بشروط السّلامة. (Duthiers ,1864, p325) وقد وقع تشغيل المحلّيين كذلك في حمل بريد الشركة ومراسلاتها إلى القالة وعنّابة بالجزائر، وإلى شيوخ القبائل التونسيّة المجاورة لطبرقة، مقابل أجر قدره 12 دينارا لكل رحلة، ويتم رفع الأجر إذا كانت الرّحلة بعيدة في اتجاه تونس العاصمة أو مدينة بنزرت أو كانت محفوفة بالمخاطر. ودأبت العروش المجاورة لطبرقة على غرار "ماكنة" و "أولاد عمر" على تشغيل أبنائها لدى الموظّفين الأجانب بمنازلهم ومكاتبهم، وإنجاز مجموعة من الأعمال مقابل أجور يومّية زهيدة.

وعملت فرنسا على تهميش دور البايليك، وأخضعته لنفوذها سياسيا وماليا وعسكريا، وأفشلت كل محاولات مشاركته في استغلال ثروة المرجان. فبحسب بعض المراسلات الفرنسية (Plantet,1893, TII, p492)، حاول البايليك خلال الربع الأوّل من القرن التاسع عشر استغلال الثروة المرجانية لصالحه بصفة مباشرة وبالتحديد سنة 1819 إثر طلب تقدم به الباي إلى الشّركة الفرنسية بطبرقة لتشغيل بحّارة تونسيين، ولكن تلك المحاولة لاقت معارضة شديدة ورفض من قبل الفرنسيّين والإيطاليين على حدّ السّواء. وتمثّلت خطّة الباي في إقناع الشّركة الفرنسيّة بتشغيل ما بين مائتين وثلاثمائة من البحّارة التونسيّين ريثما يتمكّنون من مراكمة التجارب، وحذق حرفة صناعة أدوات الصّيد، حتى يتسنّى له الاستغناء على البحّارة الأجانب لاحقا. وكان هذا الإجراء حسب ما تؤكّده مراسلة لأحد القناصل الفرنسيين نتيجة توصيّات بعض الإيطاليين والإنجليز للباي في إطار المنافسة للنفوذ الفرنسي. وهكذا بدت فرنسا أكثر وعيا بمصالحها الاستعمارية خلال القرن التاسع عشر ضمن مرحلة تميزت بتدخل الدولة بالقوة العسكرية لحماية مصالحها الاقتصادية. أثبت محاولة الباي وسعيه إلى استغلال الثروة المرجانية لحساب المملكة أهمّية الوعي الذّاتي بضرورة احتكار ذلك النّشاط محلّيا والذي اصطدم بقلّة الخبرة والتّجربة لدى المحلّيين في مجال صيد المرجان باعتبار أنّ المجاورين للجزيرة هم من الجباليّة المربّين للقطعان بأنواعها، ومن المزارعين البسطاء. ومهما يكن من أمر، فإنّ هذا الدفع باتجاه احتكار ذلك النّشاط أثبت إدراك مصالح الدولة ونخبها لأهمية التحديّات التي تجابهها المملكة، وحضور إرادة الإصلاح والتّغيير لديها، سواء في هذا المجال أو في المجالات التّشريعيّة والصناعيّة والإداريّة، إلا أنّ ذلك الإدراك ظلّ محدود النتائج إذ لم يقترن بتوفّر خبرات حرفيّة ومهنيّة، ورؤوس أموال محلّية تقبل بالمخاطرة.

وبحسب بعض دفاتر الأرشيف الوطني46 فإن الاستغلال الرأسمالي للمرجان بطبرقة قد همّش دور البايليك بفرضه امتيازات مالية نتج عنها تواضع دخل المملكة من تلك الثروة خلال الثلث الأول من القرن التاسع عشر. واقتصر دخل البايليك على حقوق مقابل أذون صيد، وشراء الخبز، وكراء المخازن بالميناء، وبيع المرجان بالسّوق الداخليّة. وتراجعت حقوق البايليك من ذلك النشاط من 25 ألف ريال في بداية القرن التاسع عشر إلى حدود ثمانية آلاف ريال47 فقط خلال سنة 1871، وهو مبلغ تم توجيهه للكوميسيون المالي قصد خلاص ديون المملكة. ووفق بعض محتوى المراسلات، حصل البايليك على مبالغ ماليّة أخرى مقابل تذاكر سراح "مونة" أي مواد غذائية لمصلحة مراكب صيد المرجان سلّمها وزير المالية على غرار ما قام بصرفه نسيم شمّامة مثلا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر بإذن من مستشار وزارة الأمور الخارجية التونسية48. ورغم تواضع ذلك الأداء مقارنة بمجموع المبالغ التي بيع بها المرجان المستخرج من الشّعاب المرجانيّة الممتدة بين طبرقة والقالة الذي قدّر بحوالي 2.5 مليون فرنك (Masson,1908,p115) ، فإنّ بعض الصيّادين الايطاليين قد امتنعوا على الإيفاء بتلك الالتزامات المالية نتيجة نفوذ القنصلين الإيطالي والفرنسي في تونس، وحمايتهما لهؤلاء البحّارة49 الأمر الذي عكس حدة التدخل الأجنبي في شؤون الايالة التونسية. ونتيجة لذلك، راسلت مصالح البايليك قناصل إيطاليين قصد الضغط على الصيّادين لدفع الأداء الموظّف على مراكبهم. كما تدخّل القناصل الأجانب خلال الرّبع الأوّل من القرن التاسع عشر ل"توجيه لزمة المرجان"50، وتحديد مبلغها، وهو أمر يتعارض مع إرادة البايليك في إدارة شؤون المملكة. وأي كانت أسباب الإحجام عن الدفع، فإنها عكست مستويات الاستغلال الفاحش لرأس المال الفرنسي لقوة العمل والممولين الإيطاليين، واستغلال هذا الطرف الثاني للطرف الأخير المتمثل في البايليك والعمال المحليين.

ومقابل هذه السيطرة المطلقة لفرنسا على ثروة المرجان التونسية، تحالفت المصالح الفرنسية مع كبار موظفي المملكة، وقدمت لهم مبالغ مالية في شكل حقوق وهدايا لضمان ولائهم وبالتالي ضمان نفوذ فرنسا في المملكة. وقد حصل كبار موظّفي الدولة من الشركة المنتصبة في طبرقة على مبالغ مالية (Hennezo,1916, p257) وهو أمر بالغ الأهمية حيث عكست تلك المبالغ المدفوعة التوافق بين مصالح الفئة المسيطرة المحلية في الايالة، ومصالح رأس المال الفرنسي، ولعل ذلك التوافق يعتبر من أسباب التبعية الاقتصادية للايالة لفرنسا51. وتمثّلت تلك الأموال المقدمة مثلا في عشرة ألاف وخمسمائة ريال لكاهية تونس، وحوالي ألف وأربعمائة وخمسين ريال للسكان المجاورين للجزيرة مقابل حماية الميناء، و25 ألف ريال للبلكباشي المرسل إلى الميناء(Hennezo,1916, p256) . كما حصل شيوخ العروش المجاورين لطبرقة والقراصنة على مبالغ مالية لقاء حماية الميناء من الغارات. ونتبين أن هذه المدفوعات المالية تتنافى مع مبادئ الاستغلال الرأسمالي في القرن التاسع عشر، ولكنها تواصلت لأسباب سياسية.

وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر تراجعت مكانة هؤلاء الموظفين إلى حد كبير خلال مرحلة تنامي النفوذ الفرنسي على تونس، وأصبح صيّادو المرجان يعقدون "تفاهمات" مع المحلّيين من شيوخ القبائل الساحلية المجاورة لحمايتهم من الأخطار نظير الحصول على مكافآت مالية وصلت إلىثلاثة ألاف ريال52 تحصّل عليها مثلا شيوخ من نفزة مقابل حماية القائمين على صيد المرجان بميناء كاب نيقرو (الرأس الأسود) دون العودة إلى مكلّف الباي بمصالح طبرقة واستشارته. وعكست هذه الممارساتإلى حد كبير مدى استفحال التدخل الخارجي في الايالة وضعف نفوذها وقدرتها على إنفاذ القانون. وكان البايليك قد راسل كاهية باجة وشيوخ قبائل المكان لمراقبة نشاط صيد المرجان خارج طبرقة باعتباره مخالف للقانون. وقد أكّد بعض الشيوخ ضمن مراسلاتهم معاينة وجود مجموعة من صيادي المرجان بمرسى "الرأس الأسود") كاف نيقرو(. وكان حوالي 60 مركب صيد ترتاد مرسى "سيدي المشرق" التابع لعمل ماطر، وينزل بحّارتها للشاطئ للتزوّد بالماء والحطب53. وكانت مراكب صيد المرجان تغادر ميناء طبرقة وتصل إلى ميناء بنزرت في إطار رحلات الصّيد الطويلة، وهو ما كان يعتبره البايليك مخالفا للقانون. ويؤكّد هذا الخرق مدى ضعف السّلطة المركزية في فرض إرادتها ونفوذها على ذلك المجال، وحدود استفادتها من ذلك النشاط بالجهة مقابل تنامي إرادة الصيادين الأوربيين، وإقبالهم على الصّيد الحرّ في المياه التونسيّة دون التقيّد بأوامر ممثّلي البايليك وأذونها، ومدعومين من قنصلي إيطاليا وفرنسا الأمر الذي عكس مدى تدخل الدولتين في الهيمنة الرأسمالية على تونس. وخلال سنتي 1866-1867، أصبح قنصلا فرنسا وايطاليا يطالبان من الباي مباشرة العمل على حماية صيّادي المرجان بسواحل البلاد التونسية من طبرقة وصولا إلى قليبية. وفعلا رضخت مصالح البايليك لذلك، وطلبت من شيوخ العروش المجاورة لتلك الموانئ المحافظة على مراكب الصّيد وحماية بحّارتها الأجانب من غارات العروش المحلية.

2.2. توتر العلاقة بين الفئتين العاملتين الإيطالية والمحلية

ويعتبر مثل هذا التوتر بين القوى العاملة ميزة أخرى للفئة المضطهدة من الإيطاليين والتونسيين خلال القرن التاسع عشر، إذ لم يتشكل وعي جمعي للعمال المضطهدين من الإيطاليين والتونسيين خلال تلك الفترة على الرغم من صعوبة أوضاعهم المادية، وضعف أجورهم. وساهمت اختلافاتهم الدينية ومصالحهم الآنية في إذكاء التصادم بينهم إلى حد ممارسة العنف. فقد ظلت جزيرة "طبرقة" بحسب بعض الدراسات عبارة عن "مجتمع" "مسيحي" واقع على أطراف حدود البلدان المسيحية (Boubaker, 2011, p231). ونعتقد أنّ هذه المحطّة قد تطوّرت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر لتتحوّل إلى شبه "مستعمرة" (Planel,2015)، وتغيّر شروط استغلال المرجان والتجارة بين تونس وفرنسا. وقد بلغ عدد المستوطنين في طبرقة ومينائها خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر حوالي ألفي ساكن رزح أغلبهم تحت نير الاستغلال، ويعيشون ضمن مجتمع مغلق للصيادين، تشكّله أقليّة "مسيحيّة" في محيط أغلب سكّانه مختلفين عنها ثقافيّا (Vermeren, 2018, p35) بعاداتهم وتقاليدهم وأنشطتهم اليومية، وديانتهم.وحافظ الإيطاليون على علاقات عائلية قوية بمواطنهم الأصليّة عن طريق الانتقال الموسمي من إيطاليا إلى طبرقة. وكان البحارة من الليفورنيين يعودون إلى مدنهم الأصليّة كل موسم أو مرّة في السنة .(Vermeren, 2018, p35) بالرغم من ملاحظة "بيليسّيي" بخصوص وجود اختلاط بين عائلات جنوية ومحليين نتج عنها ما وسم ب"الطبرقيين"، فقد احتفظوا بتقاليد وثقافة ولغة تجمع بين الإرث "المسيحي والإسلامي"(Pellissier,1853, p35) ، وهو دليل امتزاج بين قوة العمل الايطالية والمحلية خلال كامل الفترة الحديثة.

تعددت القضايا المتعلقة بالتصادم بين العمال الإيطاليين والمحليين خلال القرن التاسع عشر، وتمكن قنصلا فرنسا وإيطاليا بطبرقة من حماية الصيادة الأوربيين حال اختلافهم مع المحليين الأمر الذي عكس مدى دعم النظام السياسي للدولة للنظام الرأسمالي وحمايته عن طريق القوة السياسية والعسكرية من ناحية، ودعم قوّة العمل الايطالية والفرنسية مما يجعلها قوة محظوظة قضائيا أمام محليين مهمشين. ومن أهم مظاهر ذلك، هو تضمن الأرشيف الوطني التونسي العديد من شكاوى من هؤلاء القناصل إلى مصالح البايليك بخصوص تعدّي "أنفار من المحلّيين على صيّادة مرجان" بالسّواحل التونسيّة خلال القرن التاسع عشر على غرار ما أثاره القنصل الفرنسي بخصوص "اعتداء من أنفار من الأهالي من أصحاب المتاجر الصغرى بطبرقة على أحد الصيّادين الذي فرّ إلى مركبه ومع ذلك لحقه التّاجر رفقة 4 عساكر واعتدى عليه"، معتبرا أنّ مثل ذلك الاعتداء هو بمثابة اعتداء على دولة "حبيبة"54. ولم تذكر المراسلة سبب النّزاع، والأرجح أنّ هناك معاملات تجاريّة بين الطّرفين، وتؤكّد مصاحبة أربعة عسكريين للتّاجر المحلّي منع التّونسيين من الأهالي دخول الميناء حيث يقطن صيّادو المرجان. وطلبت مصالح وزارة الخارجية التونسية على إثر شكاية قنصل إيطاليا من مصالحها توجيه المعتدين إلى العاصمة للنظر في القضية. ويبدو أنّ مثل تلك النّزاعات بين المحلّيين والصيّادين الإيطاليين قد تعدّدت في الموانئ التونسية على غرار ما جدّ بميناء بنزرت مثلا، حيث سجّلت بعض المواجهات جُرح على إثرها ايطاليون، حسب ما أوردته مراسلة قنصل إيطاليا دائما55. وما يلاحظ خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، هو تضاعف عدد مراكب صيد المرجان بالسّواحل التونسيّة، حتى أنّه وصل في إحدى الشّعاب المرجانيّة التي تبعد حوالي ستين ميلا عن مدينة بنزرت حوالي مائة وخمسين مركب صيد خلال سنة 1866. كما أنّ انتشار تلك المراكب على طول السّواحل التونسيّة بعيدا عن مستوطنات البحارة والموانئ دفع بصيّادة المرجان الايطاليين إلى النزول إلى اليابسة خارج الموانئ للتزوّد بالمياه الصالحة للشّراب، وبالمواد الغذائيّة مما أدّى إلى تصادم بعضهم مع المحلّيين. وقد حذّر قناصل إيطاليا بتونس قادة مراكب الصّيد باتخاذ الحيطة حال مغادرتهم لمراكبهم خارج الموانئ الكبرى المحروسة جيّدا56. وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث استفحل التدخّل الدبلوماسي الفرنسي والإنجليزي في تونس، غادر الصيّادون موانئ الصيد مفضّلين الاستقرار بالتجمّعات السكنيّة والمدن المجاورة للموانئ57 بحثا عن ظروف استقرار أفضل من الإقامة في مراكب صغيرة الحجم، وهو ما ضاعف فرص تشاجر بعضهم مع المحلّيين من المهمشين58. وغالبا ما كان الوزير الأكبر التونسي يراسل قنصل فرنسا بخصوص ما يعتبر تعديّا من قبل الصيّادين على أهالي المنطقة، ويطالب بمحاكمة الجناة، بينما كان القنصل يطلب تحويل الجناة للحاضرة لعرضهم أمام هيئة قضائيّة. كما حثّ القنصل نوّابه بالجهات على الاجتهاد في دعوة الصيّادين إلى الالتزام باحترام الأهالي على إثر تعدد تعدّيات بعض "المخمورين" المستقرّين ببنزرت الذين "عمدوا إلى إثارة الشغب ضد أهالي المدينة" بحسب المراسلات دائما59. وأدرك بعض الصيادين الايطاليين أفضلية مكانتهم تجاه المجتمع المحلي رغم قسوة ظروف الطرفين الاجتماعيين، وعوض الاحتجاج ضد القوة المستغلة، تصارع الطرفان فيما بينهما وفق بعض مراسلات البايليك بخصوص تحقيق في أسباب مشاجرة بين" ثلاثة أنفار منهما نفرين "زواوة أو صباحية"، ونفر من المحلّيين ضد عشرة أنفار من صيّادي المرجان. وانتهى التحقيق إلى "سبّ النّصارى دين العساكر والاعتداء عليهم باستعمال أدوات حديديّة تسببت في جرحهم جروحا بليغة قبل أن يلوذوا بالفرار والتحصّن بمراكبهم"60. والحال أن عسكر زواوة من الفئات المهمشة والأكثر فقرا داخل الجهاز العسكري التونسي61.

وبعد احتلال فرنسا للجزائر طغت الرّيبة على علاقة المحليين من عمال وفلاحين بمجتمع صيادي المرجان، وأصبحت تهمة الاعتداء على مراكب الصّيد توجّه جزافا إلى التّونسيين في بعض الحالات. فقد تحطّمت بعض المراكب بفعل العواصف البحرية ومع ذلك وجّه الرّياس تهم متعلّقة بالنّهب إلى المحلّيين، وتظلّموا62 لدى نائب القنصل الفرنسي في طبرقة الذي راسل البايليك مُطالبا بالتّعويض عن الخسائر وإلزام القبائل، بل وإرغامها على دفع التّعويض. كما تعددت مراسلات القناصل الأجانب63، بخصوص تعدّيات فقراء ومحتاجين من السّكان المحلّيين المجاورين لمراسي الصّيد متورّطين في الإغارة على مراكب الصّيد ليلا ونهب "الأموال وسرقة السّكر والصّابون"، وهي من المواد النّادرة والثمينة التي يوفّر بعضها الباعة المتجولين من اليهود الذين يجوبون الجبل، والباعة في الأسواق الأسبوعيّة. وأي كانت أسباب مثل تلك العمليات، فهي تتصل في جوانب منها بحالة مجتمع الجبل المادية والفقر والفاقة والحاجة إلى ضروريات الحياة.

وهكذا فقد استفحل الشّجار بين الفقراء المحلّيين وصيّادي المرجان المضطهدين، ولاح جيدا من خلال التّعاطي السياسي والأمني للأطراف المتدخلة فيه، مدى استجابة موظفي البايليك وخضوعهم لمطالب القناصل الأجانب بصفة تكاد تكون آلية، حيث توجّه التهم مباشرة إلى الأكثر فقرا بالاعتداء دون الدّعوة إلى التّحقيق.

وتعددت بحسب المراسلات القضايا المتصلة بعمليات نهب وسرقة بين المحليين وصيادي المرجان من الايطاليين، وهي كلها قضايا سجلت بين الفئتين الأشد بؤسا من العمال في ميناء طبرقة، وعرض قنصل إيطاليا على مصالح البايليك حادثة تعرّض أحد صيّادي المرجان القاطنين بطبرقة إلى نهب مخزن له من أحد العمال المحليين، حيث سرق له ما يعادل أربعة عشر رطلا من المرجان، ووجّه البايليك أوامره إلى موظفي المملكة للتحقيق في الحادثة64، والقبض على المضنون فيه، و"إعادة المنهوب إلى صاحبه" على الرغم من أن صاحب الدعوى لم يتهم شخصا بعينه65. وكانت العادة أن ينظر موظّفو الشركة فيما يعتبر تعدّ وخرق للقوانين بين الصيادين الأوربيين أنفسهم. وكان البحّارة الايطاليون يتّخذون "برّاكات" (أي مآوي مصنوعة من الخشب) خارج الجزيرة والميناء وبعيدا عن الأبنية الحديثة والمخازن والمنازل والمكاتب المحروسة والمحمية، وغالبا ما تتعرض تلك "البرّاكات" لسرقة ألواحها من قبل السكّان المحليين، كما تتم سرقة ما يوجد فيها من مرجان ومؤن وفق بعض شكاويهم66. واجتهد نائب القنصل الايطالي في حثّ مصالح البايليك على "تغريم السكان المحليين الذين يتم قسرهم على دفع ما يعتبر من أخصّ حقوق صيادي المرجان"67.

يتّضح إذن خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تغيّر علاقة ممثّلي المصالح القنصلية الفرنسية بالأهالي المجاورين للسواحل التونسيّة المرجانيّة، حيث تراجعت تقاليد" التّقارب وتبادل المنافع والمصالح" بينهما إلى حدّ مطالبة القناصل بمقاضاة العروش الساحليّة بدعوى تهديدها لحريّة صيد المرجان وأمن صيّاديه. وأصبح الأمر أقرب إلى فرض واقع جديد عن طريق القوة السياسية والعسكرية. لقد ولّت مرحلة الاتفاق والتفاهم التي طبعت القرنين السابع عشر والثامن عشر، الذي يسهل ردّه إلى حدّة التنافس الفرنسي الإيطالي بخصوص احتكار صيد المرجان، وتجارة الحبوب. فقد دأبت المصالح القنصلية الفرنسية على تحريض القبائل المجاورة لطبرقة، والمتحالفة معها ضد صيّادي المرجان الايطاليين. كما سعى كل طرف إلى تقديم مبالغ مالية متفاوتة القيمة لتلك القبائل بغرض تأمين عمليّات الصّيد.

خاتمة

ما يمكن ملاحظته من خلال المعاهدات التي أبرمتها الايالة بخصوص صيد المرجان إقحام الايالة ضمن التقسيم الدولي للعمل. فالثروة الطبيعية تونسية، ورأس المال فرنسي، وبعض الممولين إيطاليين، وقوة العمل الأساسية إيطالية، وقوة عمل مهمشة إن لم نقل من درجة ثانية محلية. واتضح من خلال المعاهدات احتكار الفرنسيين لصيد المرجان بالسواحل التونسية خلال القرن التاسع عشر، ودعم الدولة الفرنسية لرأس المال المستثمر في صيد المرجان بطبرقة وتمويله وحمايته. وتواصل ذلك بعد تفاقم التسرّب المالي والاقتصادي الفرنسي والانكليزي في تونس، والتدخل السياسي في شؤونها. وبقيت محاولات انجلترا وإيطاليا لمنافسة المصالح الفرنسية في هذا النّشاط محدودة للغاية، واشتدت فقط خلال الثلث الأول من القرن التاسع عشر، إذ أدت تلك المنافسة إلى تحسين شروط تفاوض البايليك مع مختلف ممثلي تلك البلدان. وانقلبت الظّرفية بصفة كليّة لصالح الطّرف الفرنسي قبيل حلول النصف الثاني من القرن التاسع عشر. لقد لاح نفوذ فرنسا القويّ على حساب مصالح البايليك، حيث عمد القناصل الأجانب ونوابهم إلى مساندة منظوري بلدانهم من الصيّادين، وذلك على حساب مصلحة المحليين، ممّا أدّى إلى استفحال هيمنة الفرنسيين على ذلك النشاط، وسيطرتهم على السواحل التونسية واستباحتها دون رقابة أو حدود تذكر.

حاول البايليك الاستفادة قدر الإمكان من هذا النشاط خلال الثلث الأول من القرن التاسع عشر وفرض شروطه على صيادي المرجان، وراقب مراكبهم عن طريق قراصنته وعسكره وحفظ الحدود البحرية مع الجانب الجزائري. وعمل أيضا على تشجيع المحليين على تعاطي صيد المرجان عن طريق مرافقة البحارة الايطاليين وحاول تدريب ثلاثمائة من رعايا المملكة على مراكب الصيد، وصناعة التجهيزات المختلفة، إلا أن الفرنسيين رفضوا ذلك الإجراء بصفة كلية لتفطنهم لنوايا البايليك، وطموحاته. وقد أفشلت فرنسا تلك المحاولة باعتبارها تهدد التمدد الرأسمالي في تونس، واكتفى المهمشون المحليون بتوفير بعض المواد الغذائية ل"المستوطنة"، (Duthiers ,1864, p325) ، ورعي قطيع الأبقار المملوك من الشركة المستثمرة والمستغلة لصيد المرجان. وفضلا عن ذلك تم تشغيل البعض في مهن ثانوية تتصل بالبناء والصيانة، ونقل المراسلات إلى المناطق البعيدة عبر مسالك خطيرة بحسب موظفي الشركة. وقد عمّقت عزلة مجتمع صيادي المرجان من محدودية استفادة المحليين من هذه الثروة المحلية خاصة وأن معظم المجاورين لطبرقة هم من "الجبالية" ومربون للأبقار أساسا.

أما الميزة الأخرى لهذا النشاط، فهي أهمية المرجان في التجارة الخارجية، إذ مثل بضاعة مربحة، ودولية، ويمكن اعتبارها من أشكال التجارة المعولمة على غرار الحرير والتوابل68.

وهناك ميزة أخرى لهذا النشاط وهي التصادم بين المضطهدين من الايطاليين من الصيادين والمهمشين من المحليين لأسباب تتعلق باختلاف تقاليد عيشهم وثقافاتهم ومصالحهم، ولم يتشكل وعي جماعي جنيني بوحدة المصالح المادية. ولاح العمال الإيطاليون في مكانة مرموقة مقارنة بالمحليين بحسب القضايا المنشورة حال نشوب مشاجرات بينهم. وتواصل نشاط صيد المرجان خلال الفترة الاستعمارية، وتزامن ذلك مع تجهيز الميناء البحري بطبرقة وتوسيعه، وتشجيع أنشطة صيد الأسماك والتجارة البحرية ونقل المسافرين. وتواصل صيد المرجان أيضا خلال مرحلة بناء الدولة الوطنية التي حاولت قدر الإمكان ترشيده والمحافظة على تلك الثروة. فما هي مميزات نشاط صيد المرجان خلال المرحلة الاستعمارية ومرحلة الاستقلال؟

الهوامش

1 الإدريسي، 1409 هجري/ 1989، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، عالم الكتب، بيروت، ط 1، ج1، ص. 290 -299

2 البكري، د ت، المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب، مكتبة المثنى، بغداد، وقد عرض صيد المرجان في مرسى الخزر وهي القالة حاليا المحاذية لطبرقة، ص.55 و83.

3 Darcy Jean, France et Angleterre cent années de rivalité coloniale, Hachette et B N F, 1904, p.27 et de pp. 191-213

4 واستفدنا من نتائجه لبحث أوضاع صيادي المرجان الاجتماعية في طبرقة من الايطاليين والتونسيين ومظاهر استغلالهم من الشركة المنتصبة هناك

5 ممثلة في أبحاث سمير أمين انظر مؤلفه: أمين (سمير) 1974، التطور اللامتكافئ: دراسة في التشكيلات الاجتماعية للرأسمالية المحيطية، دار الطليعة بيروت. والبرازيلي:

Cardoco (Fernando H), Dependency and development in latin America, translated by Marjory mattingly urquidi, university of californa press, 1979

لبحث التبادل غير المتكافئ والمعاهدات المفروضة تحت الإكراه ولآثارها على أوضاع البلدان التابعة لدراسة المعاهدات التي أبرمتها تونس مع كل من انجلترا وفرنسا خلال القرن التاسع عشر.

6 Kuisel (Richard F), le capitalisme et L’État en France : modernisation et dirigisme au XXe siècle, Gallimard, Trad. André charpentier, 1984

7 Palmade (Guy P), capitalisme et capitalistes en France au XIXe siècle, Armand colin, 2018.

وتم اعتماد المؤلفين لبحث خصائص الرأسمالية والرأسماليين في فرنسا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وهي مباحث أساسية لدراسة طبيعة رأس المال الفرنسي المستثمر في طبرقة. وحاولنا قدر الإمكان الاستفادة منهجيا من تلك الأفكار دون إسقاطها قسرا على المسألة المعنية بالدراسة.

8 انظر بخصوص تلك الاتفاقية: النسخة باللغة العربية التي نشرت ضمن:

Boubaker (sadok), D'une Méditerranée à l'autre, Histoire du Maghreb à l'époque moderne, Tunis, 2022, p.281.

9 انظر مثلا كتاب:

Darcy (Jean), France et Angleterre : cent Années de rivalité coloniale, Hachette et B N F, 1904, p. 27

10 سيطر الجنويّون المستقرون بطبرقة على التجارة ونشاط صيد المرجان وتجارته في تونس مما دفع بالفرنسيين إلى منافستهم لصالح شركتهم المستقرّة بكاف نيقرو وبمرسى الخرز. انظر مقال:

Boubaker (Sadok), L’économie de traite dans la régence de Tunis au début du XVIIIe : le comptoir du cap Nègre avant 1741, R H M, Tunis, n 53-54, juillet 1989, pp.29-86

11 قبل تلك تلك الفترة حاول الفرنسيون خلال سنة 1742 السيطرة على طبرقة بالقوة ولكنهم فشلوا، وتم إمضاء اتفاقية جديدة سنة 1743 تمكنت بموجبها شركة إفريقيا من العودة إلى نشاط في كاف نيقرو. وخلال سنة 1781 تم إمضاء اتفاقية بمساعدة مصطفى خوجة (أحد وزراء علي باي 1759 - 1782، ومتولي التزام صيد المرجان) بين باي تونس والشركة الملكية الإفريقية الفرنسية لاستغلال المياه البحرية التونسية لصيد المرجان مقابل مبلغ مالي قدره 13500 ريال تونسي، ثم كان الاتفاق النهائي بين الطرفين سنة 1783. وردت التفاصيل ضمن مقال:

Colonel (Hannezo), « Tabarca », in R T, 1916, t.23, p. 376.

12 أ.و.ت، السلسلة التاريخية، ص.238، م.550، وثيقة عدد 1.

13 انظر خاصة مؤلف:

Palmade (Guy P), capitalisme et capitalistes français au XIXe siècle, Armand colin, 1961, p. 50.

14 أ.و.ت، السلسلة التاريخية، ص.238، م.550، الوثيقة عدد 1. اتفاقية بين تونس وفرنسا حول صيد المرجان 1195ه / 1781 م.

15 المصدر نفسه، البند الثالث من المعاهدة.

16 المصدر نفسه.

17 انظر بخصوص هذه المسألة كتاب:

Fridenson (Patrick), Strauss (André), le capitalisme Français XIXe-XXe siècles : blocages et dynamismes d’une croissance, Fayard, 1987, p. 55.

18 انظر المرجع المذكور:

Colonel (Hannezo), « Tabarca », p. 377.

19 نفس المرجع، ص ص، 377-378.

20 أ.و.ت، انظر مثلا بخصوص الاتفاقيات بين تونس والممالك الإيطالية خلال القرن التاسع عشر: أ.و.ت، السلسلة التاريخية، ص.247، م 634 الاتفاقيات والمعاهدات التونسية مع سردانيا سنة 1816 إذ نعثر في الشرط الخامس على تسريح باي تونس للسردانيين: " يصطادون المرجان في بحر عمالة تونس"، وأضيف إليها الشرط السابع الذي يفرض موافقة دولة فرنسا على شروطها وإلغاء ما ترفضه أو تتحفظ عليه.

21 أ.و.ت، السلسلة التاريخية، ص. 238، م551، اتفاقية صيد المرجان بالسواحل التونسية بين تونس وانجلترا، الوثيقة عدد 1
22 وهي الشركة التي عقدت الاتفاق مع حسين خوجة باش مملوك وممثل باي تونس، واحتكرت صيد المرجان على السواحل التونسية من جربة إلى وادي العرق غربا، وهو الحدّ مع القالة التابعة للجزائر. انظر: أ.و.ت، السلسلة التاريخية، ص.238، م. 551، الوثيقة عدد 1

23 انظر مؤلف:

Raymond (André), British policy towards Tunis 1830-1881, Oxford, 1953, p. 60.

24 أ.و.ت، دفتر عدد 2848، وقد اشتمل على نسخ للمعاهدات المبرمة مع الدول الأجنبية بما فيها فرنسا

25 Plantet (Eugène), 1899, correspondances des beys de Tunis et des consuls de France avec la cour 1577-1830, éd, Felix alcon, Paris, T.III, p. 1103.

26 أ.و.ت، الدفتر عدد 2847 الذي اشتمل على معطيات حول الخلاف بين تونس والشركة الفرنسية بالقالة بخصوص الحدود. وشكل هذا الخلاف المتعلق بالحدود محور الصندوق عدد 238 من السلسلة التاريخية، الملف عدد 550، الملف الفرعي عدد 1.

27 ابن أبي الضياف، الإتحاف، ج.3، ص.32.

28 أ.و.ت، الدفتر عدد 400، ص.154

29 يمكن إجراء الحساب كالآتي: في بداية القرن التاسع عشر بلغ عدد المراكب حوالي أربعمائة، بمعدل عدد بحارة ما بين3 ثلاثة وثمانية، فيكون عدد البحارة الجملي حوالي ألف وستمائة بحار، وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر تم استعمال مراكب كبيرة الحجم تتسع لما بين 12 و15 بحار، وتمارس الصيد بصفة متواصلة على السواحل الممتدة من طبرقة إلى بنزرت، وهذا يعني أن العدد الجملي قد ارتفع خلال تلك الفترة. ويوفر كل مركب حوالي كيلوغرامين من المرجان كل يوم طيلة موسم كامل يمتد على مائة وثمانين يوم، فيكون مجموع ما استخرج من مرجان خلال موسم واحد حوالي مائة وأربعة وأربعون ألف كيلوغرام دون حساب مردود المراكب التي تصطاد طوال السنة والمراكب كبيرة الحجم. ويباع المرجان للتجار في الميناء بسعر يتراوح ما بين 45 و70 فرنكا للكيلوغرام الواحد، وتباع الأغصان الكبيرة بسعر يتراوح ما بين 400 و500 فرنكا للكيلوغرام الواحد.

30 الرطل الانجليزي يساوي 453 غرام.

31 أ.و.ت، الدفتر عدد 2062.

32 أ.و.ت، الدفتر عدد 2063، مؤرخ في 1243 هجري الموافق ل 1829/1830 ميلادي.

33 انظر مثلا بخصوص الاتفاقيات بين تونس والممالك الايطالية خلال القرن التاسع عشر: أ.و.ت، السلسلة التاريخية، ص.247، م 634 الاتفاقيات والمعاهدات التونسية مع سردانيا سنة 1816إذ نعثر في الشرط الخامس على تسريح باي تونس للسردانيين: " يصطادون المرجان في بحر عمالة تونس"، وأضيف إليها الشرط السابع الذي يفرض موافقة دولة فرنسا على شروطها وإلغاء ما ترفضه أو تتحفظ عليه.

34 أ.و.ت، الدفتر عدد 400، بيان مداخيل الدولة ومصاريفها من عام 1231 إلى 1242 هجري الموافق ل 1815/1827 ميلادي

35 أ.و.ت، الدفتر عدد 2062 عنوانه: زمام يشتمل تقييد باسبورات الباركوات صيادة المرجان عن عام 1238هجري / 1822-1823 ميلادي.

36 أ.و.ت، الدفتر عدد 400، ص 154.

37 أ.و.ت، دفتر عدد 2062.

38 أ.و.ت، دفتر عدد 2063، انظر بيان: أسماء النصارى رياس الباركوات مثلا.

39 أ.و.ت، الدفتر عدد 2063.

40 أ.و.ت، الدفتر عدد2847، ص.3

41 أ.و.ت، الدفتر عدد 2063، ص-ص.1-3.

42 انظر مثلا، أ.و.ت، المصدر نفسه، ص.1

43 وفق ما انتهت إليه أبحاث سمير أمين بخصوص تفسير تبعية الأطراف للمركز وخاصيات التشكيلات الاجتماعية للرأسمالية المحيطية ضمن كتابه: التطور اللامتكافئ: دراسة في التشكيلات الاجتماعية للرأسمالية المحيطية، دار الطليعة بيروت، 1974، ص.

44 ووفق بحث Duthiers المذكور صفحة 241، يبلغ طول مركب الصّيد حوالي 12م، وعرضه 3م، وعمقه 1.40 م، ويتّسع لما بين 8 و10 من الصيّادين يبحرون ما بين 15 و3 أو 4 أسابيع. وهناك صنف آخر من المراكب الصّغيرة التي يبلغ طولها 7 أمتار وعرضها 2.5 متر.

45 وهي متشابهة لكل صيادة المرجان خلال الفترة الحديثة وتتشكل من قطعتين خشبيتين متقاطعتين ومثبتتين جيدا في الوسط. وتثبت أسفلهما حجارة ثقيلة أو قطعة من الحديد، كما تعلق شباك على أطراف الخشبتين.

46 أ.و.ت، دفتر عدد 2063 وعنوانه: الشروط المحررة لصيادة المرجان من رعايا الدول الآتية عن عام 1245 هجري/ 1829 – 1830.

47 أ.و.ت، السلسلة التاريخية، ص.238، م. 553، الوثيقة عدد 7

48 المصدر نفسه، م.552، م فرعي عدد1، الوثيقة عدد 11، وكذلك الوثيقة عدد 10.

49 أ.و.ت، السلسلة التاريخية، ص.238، م 552، م فرعي عدد 1، الوثيقة عدد 3. حيث امتنع صيادة سيسيليين عن "دفوع العوايد" للزام المرجان. وراسل البايليك قنصل السيسيليين في الأمر.

50 أ.و.ت، المصدر ذاته، الوثيقة ذاتها

51 وفق ما صاغه عالم الاجتماع البرازيلي فرناندو أنريك كاردوسو انظر كتابه:

Dependency and development in latin America, translated by Marjory mattinglyurquidi, University of californapress, 1979, pp.86-95.

52 المصدر نفسه، م.553، الوثائق، عدد 1و2 و3

53 المصدر نفسه، الوثيقة عدد 4.

54 المصدر نفسه، م.552، م فرعي 1، وثيقة عدد 9 مؤرخة في سنة 1861.

55 المصدر نفسه، الوثيقة عدد 9.

56 المصدر نفسه، الوثيقة عدد 15

57 المصدر نفسه، م.552، م فرعي عدد1، الوثيقة عدد 8

58 المصدر نفسه، م.552، م فرعي عدد 2، الوثيقة عدد 14

59 المصدر نفسه، الوثيقة عدد 17

60 المصدر نفسه، الوثائق عدد 15 و15 و17

61 المصدر نفسه، الوثيقة عدد 15، وتضمنت الوثيقتان عدد 16 و17 التحقيق في نازلة بين زواوة وصيادة مرجان.

62 انظر مثلا حادثة جنوح مراكب صيد لبحارة سردانيين على السواحل التونسية. السلسلة التاريخية بالأرشيف الوطني، ص.238، م .552، م فرعي عدد 1، الوثيقة عدد 4

63 المصدر نفسه الوثيقة عدد 3

64 أ.و.ت، السلسلة التاريخية، ص. 238، م 552، م فرعي عدد 2، وثائق عدد 2 و3 و6

65 المصدر نفسه، الوثيقة عدد 4

66 المصدر نفسه، الوثيقة عدد 7

67 المصدر نفسه، الوثيقة عدد 13

المصادر و المراجع

المصادر الأرشيفية

أ.و.ت، الدفتر عدد 2847
أ.و.ت، الدفتر عدد 400
أ.و.ت، الدفتر عدد 2062
أ.و.ت، دفتر عدد 2063
أ.و.ت، الدفتر عدد2847
أ.و.ت، السلسلة التاريخية، ص. عدد 238، م. 550، الملف الفرعي عدد 1
أ.و.ت، السلسلة التاريخية، ص.247، م 634
أ.و.ت، السلسلة التاريخية، ص.238، م. 553
أ.و.ت، السلسلة التاريخية، ص.238، م.552
أ.و.ت، السلسلة التاريخية، ص.238، م. 550
أ.و.ت، السلسلة التاريخية، ص.238، م. 551

المصادر المنشورة

ابن أبي الضياف، 1990، الإتحاف، ج.3.
ابن حوقل، 1938، صورة الأرض، دار صادر، بيروت
الإدريسي، 1409 هجري، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، عالم الكتب، بيروت، ط 1.
أبو الفداء (عماد الدين إسماعيل بن محمد بن عمر)، دون تاريخ، تقويم البلدان، دار صادر، بيروت.
البكري، 1992، المسالك والممالك، دار الغرب الإسلامي، بيروت. ليون الإفريقي، 1399 هجري، وصف إفريقيا، ترجمة عبد الرحمان حميدة، مكتبة الأسرة.

المصادر باللغة الفرنسية

Abbé (Poiret), 1789,voyage en Barbarie ou lettres écrites de l’ancienne Numidie pendant les années 1786-1787, Paris.
Chronique tunisienne de Mohammed Seghir ben Youssef, 1978, trad. Victor Serres et Mohammed Lasram, éd, Bouslama, Tunis.
De Grand-père (Louis), 1801, Voyage à la côte occidentale d’Afrique 1786-1787, Paris.
Pélissier, 1853, Description de la régence de Tunis, Paris.

المراجع باللغة العربية

بوبكر(الصادق)، 1987، ايالة تونس في القرن السابع عشر وعلاقاتها التجارية مع موانئ البحر المتوسط، مركز الدراسات والبحوث العثمانية والأندلسية الموريسكية، زغوان.
المحجوبي (علي)، انتصاب الحماية الفرنسية على تونس، سيراس للنشر، 1986.

المراجع باللغة الفرنسية

Boubaker (sadok), 2011, « les tabarkins, une communauté de frontières », in Michel Bertrandet Natividad PLANAS (dir), les sociétés de frontière de la Méditerranée à L’atlantique (XVIe -XVIIIe siècle) , Madrid, Publications de la Casa de Velazquez.
Boubaker (sadok), 2011, « Les Tabarkins, une communauté à la frontière de la chrétienté », in Philippe GOURDIN et Monique LONGERSTAY (dir), De Tabarka (Tunisie) aux nouvelles Tabarka, Carloforte, Calasetta, NuevaTabarca, histoire, environnement, préservation, Tunis, Edition Finzi.
Boubaker (Sadok), 2013, « Le traité Hispano-Hafside du 6 août 1535 : al Hassen a-t-il négocié son obéissance ? », in J.P. Zuniga (éd), Negociar la obediencia. Autoridad y consentimiento en el mundo ibérico en la moderna Granada.
Buti (Gilbert), 2018, « Du rouge pour le noir : du corail méditerranéen pour la traite négrière au XVIIIe siècle », in Rives méditerranéennes, n°. 57.pp, 109-128
Chater (Khalifa), 1984, Dépendance et mutations précoloniales : la régence de Tunis de 1815 à 1857, P. U. T.
Dufourcq (C.E), 1965, l'Espagne catalane et le Maghreb aux XIIIe et XIVe siècles, Paris.
Ferhat (Halima), 1993, Sebta : des origines au XIVe siècle, Rabat.
Gibson (R.N), Atkinson (R.J.A), Gordon (J.D.M), 2010, « The exploitation and conservation of precious corals », in Oceanography and marine Biology.
Gourdin (Philippe), 1990, « Émigrer au XVe siècle, la communauté ligure des pécheurs de corail de marsacares », in, mélange de l’École française de Rome, pp, 131-171.
Gourdin (Philippe), 1997. « La première intervention Européenne dans l’exploitation du corail Maghrébin : les Catalans et les Siciliens à Tabarka 1446-1448 », in Anuario de Estudios, N°27.
Gourdin (Philippe), 2019, « Le quartier et la maison à Tabarka du XVe au XVIIIe siècle : création originale ou reprise d’un modèle connu », in Le village médiéval et son environnement, éd de la Sorbonne.
Guy (Turbet-Delof), 1973, L’Afrique barbaresque dans la littérature française au 16 et 17 siècles, Paris - Genève.
Hannezo (Colonel), 1916, « Tabarca », in R.T,1916, T23.
Jean (M), 1960, La grande bourgeoisie au pouvoir 1830-1880, Paris.
Lacaze- Duthiers (H), 1864, Histoire naturelle du corail, organisation, reproduction, pèche en Algérie, industrie et commerce, paris.
Loth (Gaston), 1864, Le peuplement italien en Algérie et en Tunisie, Paris.
Masson (Paul), 1903, Histoire des établissements et du commerce français dans l’Afrique barbaresque 1560-1793, Paris.
Masson (Paul), 1908, Les compagnies du corail, étude historique sur le commerce de Marseille au XVIe siècle et les origines de la colonisation française en Algérie- Tunisie, Paris.
Miège (Jean-Louis), 1980, « Les corailleurs italiens en Algérie au XIXe siècle », in Minorités, techniques et métiers, Aix en Provence.
Moradi (Zohra), 2016, « The role of coral in art and architecture, an over view », in, J.Aquat. Biol, N. 4.
Olivier (Lopez), 2013, « Vivre et travailler pour la compagnie royale d’Afrique en Barbarie au XVIIIe siècle », in Rive méditerranéennes.
P.H.X (D estounelles de constant), 1891, La politique française en Tunisie, Paris.
Paulette et Claude Grenier, 2010, Les tabarquins, esclaves du corail 1741-1769, les indes savantes, Paris.
Picinno (Luisa), 2021, « The trade of precious corals in the Mediterranean from the Middle Ages to the nineteenth century », in Precious coral and the legacy of the coral road, ed by iwazakinozomu, Cambridge scolars.
Planel (Anne-Marie), 2015, Du comptoir a la colonie : histoire de la communauté française de Tunisie 1814-1883, préface de Bernard Vincent, I R M C, Rive neuve.
Plantet (Eugène), 1899, Correspondances des beys de Tunis et des consuls de France avec la cour 1577-1830, éd, Felix alcon, Paris, 3T.
Raveux (Olivier), 1978, « Du corail de la Méditerranée pour l’Asie », in Gedaliayogev, eighteenth-century trade, leisteruniversitypress.
Rousseau (Alphonse), 1964, Annales Tunisiennes, ou Aperçu historique sur la régence de Tunis, Paris, Constantine.
Sebag (Paul), 1989, Tunis au XVIIe siècle, une cite barbaresque au temps de la course, Paris, l’Harmattan.
Trivellato (Francesca), 1916, Corail contre diamants, de la méditerranée à l'océan indien au XVIIIe siècle, Seuil.
Vermeren (Hugo), 2018, « Être corailleur en Algérie au XIXe siècle : pratique du métier et reconversion professionnelle chez une population maritime en déclin à l’époque coloniale (Bône, La Calle, 1832-1888) », in Revue méditerranéenne, N° 57.

الكاتب

صلاح البرهومي

أستاذ مساعد في التاريخ الحديث - كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية - مخبر العالم المتوسطي وحضارته - جامعة تونس

فهرس

إرشادات

نبذة عن مجلة السبيل

مقالات العدد

Retour en haut